الدولة المدنية والدين

آب 09
  • https://web.facebook.com/Panorama.News.M

 

 

د. حسين الحديثات ( الأردن ) الخميس 10/8/2017 م ...

الدولة المدنية والدين ...

تعد الدولة المدنية شكلا من أشكال التنظيم المجتمعي والسياسي... العقلاني للجماعات، وهي غير معنية جزئيا بالمعايير والضوابط التي يكون مصدرها خارج الجسم الاجتماعي، معنية بما هو وضعي تحدده الجماعات وفق ما تراه مناسبا لها على أن تراعي المعتقدات والانتماءات الدينية في الدولة. ووفق معايير خمسة هي: تمثيل إرادة الجماعة، وسيادة القانون، وضمان وكفالة الحريات والتعددية، والمواطنة، والالتزام بمضمون الديمقراطية. وتؤخذ بها الحقوق وتفرض بها الواجبات على أساس المواطنة والفرد في الجماعة وليس على أساس العناصر الهوياتية التي لا تعاديها بل تحميها، أي متجاوزة تنوع الافراد بأن لهم حقوقا وعليهم واجبات في إطارها بمبادئ أكثر عدالة كمبدأ المواطنة ومبدأ سيادة القانون التي لا تعطي الحقوق وتفرض الواجبات على أساس التمييز بين الافراد بسبب الدين أو اللغة أو اللون أو العرق أو الجنس، وبخلاف ذلك يثير الاشكاليات مما تسبب في الاحتكاكات والاصطدامات دخل الجماعة الواحدة.

إن احد المقومات الاساسية لبناء الدولة المدنية التفكير العقلاني، الذي يحرر الجماعة من المسلمات والمعتقدات التي وضعتها مرجعيات آمنت بجزئية من معتقد ديني معين تجلب لهم السلطة والتحكم وتعزز لديهم عدم الفهم والتفهم والتفاهم، وبالتفكير العقلاني السياسي وانطلاقا من نظرية العقد الاجتماعي التي انطلقت منها فكرة الدولة المدنية لا يعني انشاء دولة ملحدة أو حرمان الجماعة من الدين بل الدين 'أحكام' والدولة 'سلطة'، لضمان احترام الاحكام لا بد من وجود سلطة تنتهج المبادئ السامية القائمة على عدم التمييز بسبب الأحكام 'الدين'، وحيث انه لم يرد مصطلح أو مفهوم الدولة في القرآن الكريم، وكذلك لم تحدد السنة شكل معين للسلطة السياسية، وأيضا لم يكن مفهوم الدولة بالمعنى الحديث موجود في التاريخ الانساني، فالدولة المدنية دولة يحكمها قانون أساسي 'الدستور' بحيث يكون مرجعية لخلق توازن بين السلطات داخل الدولة، وكفالة حق الافراد وفرض الواجب عليهم، والمساواة بينهم، وهذا نتيجة طبيعة كون القانون دائما مصدره أحكام دينية أو أعراف اجتماعية أو مبادئ أخلاقية سائدة في الجماعة، ومع تطور الجماعات تحولت هذه المصادر إلى قوانين ناظمة في الجماعات عبر الفعل السياسي.

الدولة المدنية ليست نقيضاً للدولة الدينية، وإنما هي نقيض الدولة المستبدة البوليسية، حيث يقول الدكتور سعد العثماني: 'إن الاصول الاسلامية لا تتنافى في شيء مع مفهوم الدولة المدنية، بل تؤسس لها على مختلف المستويات'، وبالتالي لبناء هذه الدولة لا بد من الفصل المرن بين الدين 'الأحكام' عن الدولة 'السلطة'، حتى لا تستغل وتوظف فئة تتبع دينا معينا احكامه لتحقيق مصالح وأهداف سياسية تخدم توجهاتها، ليتمكنوا من السيطرة على زمام الأمور وتغيير شكل السلطة وفرض الرأي على الاقلية. فالدولة المدنية مفهومها أوسع نطاقا من معتقد معين أو تفكير محدود، فهي تحمي جميع الحريات والحقوق وكذلك الاقليات، وتضمن التعددية واحترام الآخر.

الدستور الأردني نص في المادة (16/1) على أن ' الاردنيون أمام القانون سواء لا تمييز بينهم في الحقوق والواجبات وإن اختلفوا في العرق او اللغة أو الدين' بمفهوم النص الدستوري يتضح ان الدولة الاردنية لا تقيم المساواة بين مواطنيها على اساس الدين 'الاحكام' او اللغة أو العرق، وإنما على أساس الجنسية التي هي المحفز الاساسي للمواطنة، وبذات الوقت هي تحمي الدين حيث نصت المادة (14) من الدستور على أن ' تحمي الدولة حرية القيام بشعائر الاديان والعقائد طبقاً للعادات المرعية في المملكة...'.

وعليه، إن من مفاهيم الدولة تحقيق المنفعة المشتركة والمصلحة العامة لمواطنيها سواء كانوا على دين واحد أو أكثر، فالدولة المدنية تحقق ذلك وأكثر، فهي عماد أي مجتمع يبحث عن العيش بسلام وحرية وسيادة القانون على الجميع وحماية المعتقد الديني لمواطنيها.