توظيف الفتوى والتاريخ

آب 09
  • https://web.facebook.com/Panorama.News.M

 

 

د. محمود عبابنة ( الأردن ) الخميس 10/8/2017 م ...

توظيف الفتوى والتاريخ ...

لطالما تم الاتكاء على الفتوى لتسويق قرارات الحكام والسياسيين والتأثير على الراي العام ، وربما تشكل قصة الصحابي الجليل عمار ين ياسر بداية انحراف الفتوى وتسخيرها لخدمة السلطان، ففي معركة صفين التي دارت بين جيش علي كرم الله وجهه من جهة وجيش معاوية من جهة أخرى كان عمار يحارب الى جانب الخليفة الرابع علي بن ابي طالب وكان يجول في المعركة ولا يجرؤ احد على قتله ، لان الرسول عليه الصلاة والسلام قال لعمار ، ' تقتلك الفئه الباغية '، فكانت الأوامر في جيش معاوية عدم قتله حتى لا تصنف قواته بالفئه الباغية ، ولكن قتاله لجيش معاوية بدون مقاومة احدث خسائر كبيره وكان لابد من البحث عن حل لمعضله سعد ، واستقر الراي على قتل عمار بن ياسر ، وفعلا تم ذلك وتخريج القتل بفتوى تقول ' ان من ارسله الى ميدان المعركة هو الذي قتله ' ، وبالتالي فقوات الخليفة الرابع علي هي التي قتلته وأنها بالتالي هي الفئة الباغية ، ومن هنا ظهر علم الإفتاء السلطاني الذي دام وازدهر منذ ذلك الوقت وحتى أيامنا الحاضرة ، وأسهم فيه الالاف ولحقت بهم بعض المؤسسات الدينية ذات الهيبة.

هذه المقدمة تأتي على ضوء ما شهدناه في العقد الأخير ، لسيل من الفتاوى التحريم والتحليل والمكروه واقحاما لشيوخ الدين في أمور السياسة الدولية ، ويبدو ان ذلك يعود الى التاريخ الطويل المترسخ للسلاطين الذين دأبوا على الاستعانة بالفتوى لتسويق قراراتهم السياسة ، حيث كان المفتون منذورين لتوليف الفتوى واسنادها بآية كريمة او حديث منسوب للرسول الكريم ، وقراءتها بحيث توافق هوى السلطان مقابل المنصب او نيل العطايا ، فاذا قرر احد الحكام العرب قتال الصهاينة ، افتوا بذلك واسندوا فتواهم بان الجهاد فرض عين عندما يطأ العدو أرضا اسلاميه ، واذا قرر احدهم اجراء الصلح مع العدو افتوا له بجواز ذلك واسندوا فتواهم بالآية الكريمة التي تقول ' فان جنحوا للسلم فاجنح لهم ' ، وفي غياب التعليمات فهم يمتنعون عن أي فتوى قد تسبب حرجا للمسؤولين .

ويتم الاتكاء على الفتوى لتمرير سياسات وقوانين حكومية تتعلق بمجتمع الدولة ، والحاجه الى معالجات لاضطرابات وهزات سياسيه ، فقبل انتخابات المجلس النيابي الكويتي أفتى عميد كلية الشريعة بالكويت ، أن من حق ولي الامر توجيه صوت البنت او الزوجة او الأخت للمرشح الذي يريد ، وان عليها الطاعة ، وعندما استاءت الحكومة المصرية من الصحافة ، وتم الايعاز لشيخ الازهر بالإفتاء بتحريم شراء الصحف التي تنشر الشائعات ، وجلد الصحفيين الكذابين (80) جلدة.

بخصوص الازمة الخليجية التي نتمنى من منطلق عروبي ان تنتهي بالصلح وتوحيد بكلمة ، تفاجئنا بمفتي مصر الأسبق د. علي جمعه يخطب ويقول ان قطر سميت 'بقطر' نسبه الـى الفارس الشاعر العربي ' قطري بن الفجاءة' ونسبه المفتي الى الخوارج الازارقه ، وقد دوخ هذا الفارس وجماعته الدولة الإسلامية ، وان حكام قطر هم من سلالته ، وان الذي قتله هو 'المهلب بن ابي صفره' وهذا كان من دولة الامارات ، وكانه يقول بهذه الحالة الخاصة ان التاريخ يجب ان يعيد نفسه .

وقبل علي جمعة سافر كبير الإفتاء الشيخ القرضاوي الى سوريا واغدق المديح على الرئيس السوري بشار الأسد وقال في دمشق ' أحيي دمشق وسوريا واهل سوريا ورئيسها ، لأنها الدولة التي قالت لا للأمريكان الذين يعملون على تغيير هوية الامه ' ، وعند وقوع الاحداث في سوريا دعا القرضاوي بالصوت والصورة للجهاد في سبيل الله ، وقتال الدولة السورية واعتبر الرئيس أوباما مجاهدا من المجاهدين ؟! أما المتظاهرون الفلسطينيون بصدورهم العارية في ساحات المسجد الأقصى فهم ليسوا من المجاهدين ولا تستحق القدس حتى إعطاء الفتوى. فقد كمم الصمت افواه شيوخ الفتنه والمال.

تسييس الدين على ايدي فقهاء ووعاظ السلاطين يؤدي الى ادخاله في عهر السياسة وما تتضمنه من نفاق وكذب، والدين انقى واطهر من الاعيب السياسة ، فإدخال الدين الى عالم السياسة يجعله يتماهى بمرجعيته الربانية مع السياسة بمرجعيتها الميكافيليه ووفق منهج اللف والدوران في القول والفعل ، ويؤدي ذلك الى انقسام الراي وعدم صدق الفتوى او الرواية التاريخية لان المصلحة وتحقيق مأرب السلطان بأية طريقة كما هي بالسياسة تصبح الغاية والهدف لشيوخ الفتوى ورواة التاريخ تطويعه وتزويره .