استراتيجيات

حوار سياسي مع نائب الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين أبو احمد فؤاد

 

 

الإثنين 14/8/2017 م ...

حوار سياسي مع نائب الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين أبو احمد فؤاد ...      

الأردن العربي - دام برس ...

حاوره : نعيم ابراهيم ...

أكد وجود محاولات لفتح حوار أو اتصالات بين سورية و حركة حماس ..

نائب الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين أبو احمد فؤاد في حوار حصري مع "دام برس" : نرفض عقد المجلس الوطني الفلسطيني تحت حراب الاحتلال الصهيوني   ..

-   ندعو إلى اجراء انتخابات ديمقراطية للمجلس الوطني الفلسطيني في الداخل و الشتات

-   الاولوية راهنا هي لاستعادة الوحدة الوطنية الفلسطينية وليس لتكريس الانقسام

-   تجري مراجعة الان من قبل بعض قيادات حركة حماس للعلاقة مع سورية ولما جرى من قبلهم بالنسبة للبلد.

-   الجبهة الشعبية مع أي ترتيبات داخلية في مخيم اليرموك يتم الاتفاق عليها بعد تحريره

تاليا نص الحوار :

أكد نائب الامين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين أبو احمد فؤاد رفض الجبهة محاولات عقد مجلس وطني فلسطيني بمدينة رام الله في هذه الفترة ، و قال ان الترتيبات الجارية لذلك تحمل في طياتها مآخذ عديدة من قبلنا و نحن نرى أن الاولوية راهنا هي لاستعادة الوحدة الوطنية الفلسطينية و ليس لتكريس الانقسام . و دعا إلى إجراء انتخابات للمجلس في الداخل و الخارج .

و في حوار حصري مع "دام برس" أكد أبو أحمد فؤاد أن أزمة مخيم اليرموك شارفت على الانتهاء ، دون معارك و دم أسوة ببعض المناطق السورية التي شهدت مصالحات وطنية .

وطالب نائب الامين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ، حركة حماس بالعودة إلى الاتجاه الذي يخدم القضية الفلسطينية ، و قال ان موقفهم ازاء سورية مؤسف جدا ، غير أنني أعتقد أن مراجعة تجري الان من قبل بعض قيادات الحركة للعلاقة مع سورية و لما جرى من قبلهم بالنسبة للبلد. وهناك محاولات لفتح حوار أو اتصالات ربما تجد طريقها إلى النور.

أولا / ما هو موقفكم من دعوة السلطة الفلسطينية لعقد دورة جديدة للمجلس الوطني الفلسطيني.

نحن نعتبر أن هذه المرحلة هي أخطر المراحل التي تمر بها القضية الفلسطينية حيث تتوسع دائرة محاولات تصفية القضية الفلسطينية بمشاركة طرف فلسطيني واطراف عربية تسعى للتطبيع مع العدو الصهيوني من تحت الطاولة تارة و بشكل علني تارة أخرى على حساب القضية الفلسطينية و على حساب حقوق الشعب الفلسطيني .

من هنا أقول ان الترتيبات التي تقوم بها القيادة المتنفذة في منظمة التحرير الفلسطينية ، لعقد مجلس وطني فلسطيني في هذه الفترة ، تحمل في طياتها مآخذ عديدة من قبلنا لأنه لا بالتوقيت الامر مناسب و لا بالوضع الذي تعيشه الامة العربية مناسب و لا بالوضع الذي تعيشه الساحة الفلسطينية مناسب لأن يفكر البعض بعقد هذا المجلس الان في ظل حالة الانقسام القائمة . و نحن نرى أن الاولوية راهنا هي لاستعادة الوحدة الوطنية الفلسطينية و ليس لتكريس الانقسام .

كيف يمكن أن يعقد مجلس وطني فلسطيني في مدينة رام الله تحت حراب الاحتلال . و أكثر من ذلك حصل تطور لم نكن نتوقعه ، لأنه في اللجنة التحضيرية التي عقدت في بيروت اتفق على عقد مجلس وطني توحيدي على قاعدة اتفاقات القاهرة وعلى قاعدة امكانية عقد المجلس خارج الوطن حتى يشارك الجميع ، اضافة إلى أنه لا يمكن لبرلمان في أي حركة تحرر ان يعقد تحت الاحتلال خاصة في مرحلة التحرر الوطني.

كذلك ان عقد المجلس في هذه الظروف الفلسطينية المعقدة و الانقسام القائم يمكن ان يؤدي إلى زيادة المشاكل لأن المحاولات التي تسعى لاستعادة الوحدة الوطنية مستقبلا يمكن ان تتكلل بالنجاح .

وأيضا كيف ستكون الامور اذا عقدت القيادة المتنفذة المجلس الوطني في رام الله و فكر اخرون بعقد مجلس في مكان آخر. ان هذا يعني اننا دمرنا هذه المؤسسة وبشكل او بآخر يكون البعض قد ساهم بتدمير منظمة التحرير كخيمة و كجامع و كمرجعية لكل الشعب الفلسطيني و ممثل شرعي وحيد لهذا الشعب و لكن هذه المنظمة تحتاج إلى اعادة بناء أو إلى اصلاحات أو إلى انتخابات بمعنى أن مؤسساتها يجب اعادة بنائها على أسس ديمقراطية كما اتفقنا بالقاهرة و على أساس برنامج وطني سمي برنامج الوفاق الوطني أو برنامج الاسرى .

ثانيا / و لكن هناك من يقول ان الاستحقاقات الراهنة و المستقبلية تتطلب عقد المجلس الان لحصار العدو الاسرائيلي و مجاراة للتطورات الاقليمية و الدولية وضخ دماء جديدة في المجلس . فلماذا ترفضون انتم ذلك ؟

ما هي الشرعية التي يجري الحديث عنها ؟ هل هي شرعية المجلس التشريعي أم شرعية المجلس الوطني ام شرعية الرئيس . هناك شرعيات عديدة . لماذا القفز إلى شرعية الرئيس او شرعية المجلس الوطني و لماذا الاستعجال ؟ أطرح هذه الاسئلة لان المجلس الوطني معطل منذ اكثر من عشرين عاما . وكذلك المجلس التشريعي معطل و الرئاسة مفروضة فرضا ... و لا توجد مشكلة ازاء تحركات الرئيس في العالم أو المؤسسات الاخرى لمنظمة التحرير لأنها بالأساس لا أحد يهتم بها كثيرا .

اذا كنا نريد الشرعية فيجب أن تكون لكل المؤسسات و اتفقنا في القاهرة ان ذلك تبدأ بالانتخابات و قلنا ان الشرعية تأتي من خلال الانتخابات و ليس من خلال التعيين .

أيضا كيف تسعى القيادة المتنفذة لتجديد شباب مؤسسات منظمة التحرير و تسعى لعقد مجلس وطني معظم اعضائه أصبحت اعمارهم ثمانين عاما ما عدا الذين توفوا و هم كثر .والمجلس تكلس و لم ينعقد منذ زمن كبير .

كما اتفقنا بالقاهرة أن عدد أعضاء المجلس يجب أن لا يتجاوز ثلاثمئة و خمسين عضو بواقع مئة و خمسين عضو للداخل و مئتين للخارج او العكس وعبر انتخابات ديمقراطية . اما الان فيبلغ عدد أعضاء المجلس نحو سبعمئة و السؤال هنا كيف سيجتمع هؤلاء و غالبيتهم لا يتحقق بهم التجديد الا ما يمكن ان تضيفه الفصائل ، علما اننا نحترم و نقدر جميع المناضلين في الساحة الفلسطينية .

ثالثا / و لكن الا يمكن اعتبار عقد المجلس الان فرصة لانتحاب قيادة جديدة لمنظمة التحرير الفلسطينية و ضخ دماء جديدة في مؤسسات المنظمة ؟

نحن طرحنا أولا الانتخابات أينما كانت ممكنة ، و لسنا مع استمرار المجلس التشريعي الذي هو نتاج اتفاقات اوسلو و انتهت مدته منذ عدة سنوات . يوجد الان مجلس تشريعي و منظمة تحرير و هما يشكلان مرجعية الشعب الفلسطيني علما ان المجلس التشريعي هو جزء لا يتجزأ من المجلس الوطني و لا يمثل سلطة قائمة بذاتها و لا يمكن ان نعترف بأنه يشكل مرجعية لشعبنا بل هو جاء من اجل تنفيذ امور ادارية فقط في الضفة و القطاع و الان ليس له صلاحيات فيهما و هو منقسم راهنا و الوضع صعب و معقد .

لذلك نطالب بإجراء انتخابات للمجلس الوطني في الداخل و الخارج و المحظور الوحيد هو القسم المتعلق بالأردن حيث هناك من يحمل جواز سفر لسنتين و اهلنا من قطاع غزة يحق لهم المشاركة في الانتخابات ونحن في الجبهة الشعبية أول من سيلتزم بنتائجها .

رابعا / و لكن ربما الظروف الذاتية و الموضوعية لا تخدم ما تذهبون اليه انتم بحسب اعتقاد البعض . فلماذا لا تذهبون إلى الداخل و تشاركون في هذه الانتخابات ؟

الداخل الفلسطيني بقناعتنا هو كل فلسطين و لا نعترف بما هو قائم بالنسبة لاتفاقات اوسلو في الضفة و القطاع ، وبالتالي في ظل الانقسام فان غزة لن تشارك بشكل او بآخر في الانتخابات سواء كان الاعضاء من الجبهة الشعبية او من حركة فتح او من القوى الاخرى .و معلوم ان السلطة في غزة هي لحركة حماس التي سوف تمنع هذه الانتخابات لا عبر فيديو كونفرانس و لا مشاركة فعلية بحسب اعتقادي على الاقل وهذا يعني ابعاد نحو مليون فلسطيني لهم الحق بالمشاركة و هم جزء من شعبنا و قدموا تضحيات كبيرة منذ بداية الصراع مع العدو الصهيوني ، كما لهم الحق في اختيار قيادتهم و لا أحد يستطيع ان يستثني الضفة بكاملها أو قطاع غزة . و لا موانع تفرض من قبل هذه الجهة او تلك على أبناء الشعب الفلسطيني عندما تكون المسألة متفق عليها بمعنى اجراء انتخابات ديمقراطية يشارك بها الجميع . ولكن حتى لو فكرنا بإجراء الانتخابات الان فلماذا يلغي البعض حقوق أبناء شعبنا في الشتات علما ان الهدف الرئيسي للجميع لغاية الان هو موضوع حق العودة . و هناك امكانية لستة ملايين لاجئ يمكن أن ينتخبوا ممثليهم .

لذلك نحن نرفض رفضا قاطعا أن نشارك في مجلس وطني أو أي مؤسسة من مؤسسات منظمة التحرير تكرس الانقسام و تضر بالثوابت الوطنية الفلسطينية .

خامسا / وهل ينسحب هذا الموقف للجبهة على الدعوة لتأسيس مجلس تأسيسي للدولة الفلسطينية كبرلمان مؤقت للمرحلة الانتقالية ؟

نحن لسنا مع أي تغيير بهيكلية منظمة التحرير الفلسطينية والمرجعيات كما هو منصوص عليها بالميثاق الفلسطيني و كما هو منصوص بالنظام الاساسي لمنظمة التحرير ، و من يريد تقديم مثل هذه الافكار عليه ان يذهب بها إلى المجلس الوطني المنتخب او المجلس الوطني المتفق عليه لأنه اعلى هيئة و هو الذي يقرر أي تغيير في هذه الهيكلية .

من هنا نقول ان الموضوع السياسي هو الموضوع الرئيسي و الاتفاق على الموضوع السياسي ثم بعد ذلك كيف يمكن ان نعطي المجال للشعب الفلسطيني أن ينتخب مؤسساته و هيئاته و يصبح البرلمان الفلسطيني برلمانا منتخبا يحاسب ويُحاسب . اما القائم الان فهو حالة من الفوضى حيث لا يوجد مجلس وطني و لا مجلس مركزي و لا حتى لجنة تنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية ، و انما الموجود هو الرئيس الذي يتصرف فقط و هذا لا يقبله أحد على الاقل في مرحلة تحرر وطني ، و بعد ذلك لكل حادث حديث .

سادسا / ايضا في هذا السياق قدمت العديد من القوى الفلسطينية و دول عربية خلال الايام الماضية مبادرات لإعادة تفعيل الحوار الوطني الفلسطيني و تحقيق المصالحة الوطنية . ما هو مستقبل هذه المبادرات ؟

كل المبادرات التي تقدم بهذه الطرق لن ترى النور وكلها ترمى على الطاولة و لكن لا أحد يناقشها ، لأن المبادرات يجب أن تقدم إلى هيئات أو لحوار وطني شامل و نحن ندعو لمثل هذا الحوار علما ان هناك اتفاقات لو التزم بها الجميع لكنا الان أمام وضع مختلف تماما سواء بالموضوع السياسي او بالموضوع التنظيمي .

غير أننا نفضل الان العودة إلى الحوار الوطني الشامل رغم كل شيئ و لتطرح جميع الافكار و الآراء من قبل كل الفصائل و القوى الفلسطينية وأيضا المبادرات لهذ الحوار من أجل الوصول إلى حلول للمشكلات المستعصية التي نعاني منها . و لكن هناك نصوص في النظام الاساسي يتم تجاوزها الان. فاللجنة التحضيرية تبدأ عملها لتحضر لعقد الدورة المقبلة للمجلس الوطني الفلسطيني و هذه اللجنة تشارك فيها كل الفصائل و بما في ذلك اللجنة التنفيذية . وقد اجتمع اللجنة لمرة واحدة في بيروت و اتخذت قرارات أهمها عقد مجلس وطني توحيدي و تمت مناقشة المكان و الزمان و كان لنا و لغيرنا رأي بأن تعقد هذه الدورة في الخارج مثل مصر أو الاردن او سورية او لبنان او غيرها و ليس تحت حراب الاحتلال الصهيوني . ويجب أن تعطى الفرصة للجميع من أجل الحضور و المشاركة . بينما المطروح الان عقد مجلس وطني في رام الله و فيديو كونفرانس للخارج . فكيف يمكن أن يحصل ذلك و هل المطلوب القاء خطابات فقط و بالتالي لمن سيكون فيديو الكونفرانس .هذا أمر غير مقبول و لا نريد تكريس قاعدة بمن حضر أو تحقيق النصاب زائد واحد أو ناقص واحد .بل نريد القول ان هذا مجلسا وطنيا يجمع عليه الشعب الفلسطيني، أو ان سيؤدي إلى مزيد من الانقسام و الخلافات .

سابعا / هل تتفقون في المواقف ازاء كل ذلك مع فصائل تحالف القوى الفلسطينية خاصة أن حركتي فتح و حماس لا تريدان النزول عن الشجرة حتى الان؟

ما نفكر به في الجبهة الشعبية هو أن نشكل التيار الثالث الذي لا يلتحق بالترتيبات التي تقوم بها السلطة وحركة فتح و التيار الاخر الذي تقوده حركة حماس . نحن لا مع هذا ولا مع ذاك، بل تيار ثالث يأخذ بعين الاعتبار امكانية تصحيح المسار للقوتين المتنفذتين و هما تمثلان سلطتين واحدة محتلة بالكامل و ثانية محتلة الوطن جزئيا بحدود معينة .       خيارنا في الجبهة ان نستمر في النضال و المقاومة حتى تحقيق أهدافنا و منها المرحلية على الاقل ، بينما المطروح الان من مشاريع للتسوية هدفه تصفية القضية الفلسطينية . و أشير هنا إلى أن التنسيق الامني بين السلطة الفلسطينية و العدو الصهيوني يمثل أكبر جريمة ترتكب بحق الشعب الفلسطيني و نحن نطالب بإنهاء أي علاقة بهذا العدو خاصة بعد فشل اتفاقات أوسلو .

ثامنا / إلى أين وصلت محاولات انهاء أزمة مخيم اليرموك و هناك من يتهمكم بعدم اتخاذ موقف واضح حتى الان ؟

حقيقة هناك أجندة معينة لدى الدولة السورية يتم التعامل من خلالها مع أزمة اليرموك و كل من يقول بإمكانية عمل شيئ بعيدا عن هذه الاجندة يكون مخطئا . أما الواقع الفعلي في المخيم فهو قريب جدا على حلول لا تكلفنا دما على الاطلاق . و الارجح أن هناك معطيات توفرت لدى الدولة السورية اولا ثم لدى فصائل المقاومة أن الوضع الداخلي في المخيم مهيأ لحلول سريعة . و قد تكون هناك خلافات بسيطة على المكان الذي سوف تنتقل اليه المجموعات المسلحة سواء من جبهة النصرة أو تنظيم داعش أو غيرهما .

لذلك أؤكد ان موضوع المخيم الان على نار هادئة لكنه يذهب باتجاه الحل دون معارك و دم أسوة ببعض المناطق السورية التي شهدت مصالحات وطنية . و لدينا في فصائل ال 14 موقف موحد بالموافقة على حل مناسب تجده الدولة السورية . و نحن في الجبهة مع أي ترتيبات داخلية في المخيم يتم الاتفاق عليها و ليس لدينا أي مانع اذا طلب منا أي جهد في ذلك . واذا اتخذ قرار بأن يكون جيش التحرير الفلسطيني مسؤولا عن الحفاظ على أمن المخيم فليس لدينا أي مانع و تجربته في مخيم خان الشيح كانت ناجحة و نظيفة و يستحق عليها التقدير. و اذا طلب من الفصائل ترتيبات طابعها أمني في المخيم فنحن نوافق عليها . و نحن مع عودة المخيم عند انتهاء أزمته إلى ادارة الدولة ووكالة الانروا .

و لا ننسى بقية المخيمات و ضرورة عودة أبناء شعبنا اليها و اخرى اعادة اعمارها .

تاسعا / كيف تتوقعون مستقبل العلاقات الفلسطينية – السورية ؟

لا شك في ان سورية تخرج تدريجيا من الازمة و ستعود حتما إلى وضعها الطبيعي واحدة موحدة .

بدعم الاصدقاء و الحلفاء و هذا شيئ مهم و هذا يصب في مصلحة فلسطين و هي دفعت ثمنا كبيرا على هذا الطريق .

و لكن من المهم الاشارة هنا إلى أنه كلما تقدمت سورية باتجاه الحل كلما تسارعت الخطا من قبل القوى المعادية لإنهاء القضية الفلسطينية بالطريقة التي تريدها الولايات المتحدة الامريكية و التي يريدها الكيان الصهيوني في ظل انشغال الوطن العربي بأزماته الداخلية و تسريع وتيرة التطبيع من قبل البعض ، وقبل أن يتغير الوضع في سورية أو العراق أو مصر أوفي دول الطوق و من بعد ذلك بقية الدول العربية .

لكننا نؤكد أن القضية الفلسطينية لن تنتهي ، مهما حصل من أزمات و انهيارات في الوضع العربي و من تغيرات بالوضع الدولي ، و هذا ثابت من ثوابت الشعوب عبر التاريخ خاصة في مواجهة الاستعمار .

و لذلك مطلوب منا كفلسطينيين و كفصائل ان نصمد و لا نقدم أي تنازل و في نفس الوقت نراهن على المرحلة المقبلة عربيا و دوليا لأن مؤامرة الربيع العربي انتهت و انا متفائل ازاء هذه المرحلة اذا ما رتب الفلسطينيون أوضاعهم الداخلية و استعادوا الوحدة الوطنية و ركزوا على المقاومة و دخلنا كفلسطينيين كلنا في محور المقاومة و ليس محور السعودية و مؤتمراتها و لا محور الرئيس الامريكي دونالد ترامب . ونحن كفلسطينيين يجب أن نكون هنا .

و نتمنى من الاخوة في حركة حماس العودة إلى الاتجاه الذي يخدم القضية الفلسطينية ، فموقفهم ازاء سورية مؤسف جدا . وأعتقد أن مراجعة تجري الان من قبل بعض قيادات الحركة للعلاقة مع سورية و لما جرى من قبلهم بالنسبة للبلد. و إلى أين تصل و كيف تعالج فهذا ملف يحتاج لبعض الوقت ، و لكن هناك محاولات لفتح حوار أو اتصالات ربما تجد طريقها إلى النور .

كيف يمكن محاكمة ترامب وإقالته؟!

 

 

الجمعة 11/8/2017 م ...

كيف يمكن محاكمة ترامب وإقالته؟! ...

الأردن العربي - طوق الحصار يشتد حول الرئيس ترامب يواكبه تجدد المطالبات بتقديمه للمحاكمة لإقصائه أو إرغامه على تقديم استقالته، بفعل جملة من الملفات الإشكالية أبرزها قطع الطريق عليه للتقارب مع روسيا والتعاون معها. تزداد الحملة زخماً وطاقة بعد تلقيه وحزبه الجمهوري هزيمة مدوية لفشلهم في الغاء واستبدال برنامج الرعاية الصحية الشامل، اوباماكير، وما ينتج عنها من تبديد وتهميش لشعارات الحزب عند مؤيديه قبل مناوئيه. ولا يسعفه أيضا التخبط والفوضى والتناحر بين ابرز مساعديه مما ادى الى دفع كبير موظفي البيت الابيض للاستقالة، وقد لا تكون آخر المفاجآت المتلاحقة.

يشترك في الحملة قوى متعددة ومتباينة سياسياً، لكنها تعبر عن طيف واسع من ركائز المؤسسة الحاكمة: قادة الحزب الديموقراطي، المنابر الاعلامية الليبرالية المقروءة بشكل رئيس، وبعض أركان الحزب الجمهوري التقليدين الذين ضاقوا ذرعا من "عنجهية وتهور" الرئيس ترامب. في هذا الصدد، نشير الى كبير المحامين للرئيس الاسبق جورج بوش الإبن مطالبا بتقديمه للمحاكمة.

بين المطالبة بالمحاكمة وتطبيق الآليات الناظمة لذلك مسافة ليست قصيرة وتعتريها عدة عقبات. بداية ينبغي الأخذ بعين الاعتبار تماسك الجمهور المؤيد لترامب تقارب نسبته 40% في الظرف الراهن. كما أن نتائج استطلاعات الرأي في الآونة الأخيرة تدل عن عدم رضى العامة لتقديم رئيس البلاد للمحاكمة.

للدلالة أوردت اسبوعية نيوزويك، 24 تموز الجاري، ان النتائج انقسمت بين المؤيدين والمعارضين بنسبة 42% لكل منهما. وفي استطلاع آخر أجري الاسبوع المنصرم أيّد نحو 41% تقديمه للمحاكمة ومعارضة 53%. بالمقارنة مع مناخات فضيحةووترغيت، 1974، أيّد تقديم الرئيس نيكسون للمحاكمة 24%، بمعارضة 62%.

كما ينبغي النظر الى موازين القوى السياسية الراهنة في مجلسي الكونغرس الذي يسيطر عليه الحزب الجمهوري "ومن المستبعد" موافقة قادته على محاكمة واقصاء الرئيس ترامب، كي لا تسجل على الحزب سابقة سياسية تنذر باضمحلاله.

اما استمرار المراهنة على نتائج الانتخابات النصفية، تشرين2/ نوفمبر2018، بأن تسفر عن تغليب كفة الحزب الديموقراطي في أحد المجلسين، إن لم يكن كليهما، فهي حسابات خاضعة لتقلبات المزاج الجماهيري والذي يحمّل الحزب الديموقراطي وقادته مسؤولية التكلس والانصياع لضغوط منافسيه في الحزب الجمهوري.

آليات المحاكمة والاقصاء

ينص الدستور الاميركي على جواز تقديم الرئيس، ومسؤولين آخرين، للمحاكمة شريطة توفر مبررات محددة، منها ارتكابه "سوء الادارة او السلوك" في وظيفته، المادة 11 البند 4. معايير توجيه الاتهام محددة لحساسيتها السياسية، وعرّفت طبيعة "الجرائم" بدقة بأنها ".. ارتكاب الخيانة العظمى، تلقي الرشاوى؛ او ارتكاب جرائم كبيرة ومخالفة."

       عند التحقق من صلاحية "الجريمة" بالتوافق، ينعقد مجلس النواب للتصويت على سريان مفعول "الجريمة او الجرائم،" يجري التصويت عليها وينبغي الفوز بالنسبة البسيطة، 50+1. حينئذ، يخضع الرئيس للمحاكمة وفق طبيعة لائحة الاتهام، لكنه يبقى في منصبه لحين رفع توصية منه بذلك لمجلس الشيوخ الذي ينبغي عليه التصويت بعزله.

       بيد أن الآلية النهائية لا تقع على عاتق مجلس الشيوخ وحده، لضمان حق المتهم بالدفاع عن نفسه، بل ينعقد المجلس برئاسة رئيس المحكمة العليا للبدء في الاجراءات القانونية: مجلس النواب يأخذ موقع الادعاء العام وللرئيس فريق من محامي الدفاع.

       قرار اقصاء الرئيس عن مهامه يحتاج لتأييد ثلثي أعضاء مجلس الشيوخ، الغالبية المطلقة، التي إن توفرت تنقل مهام الرئيس إلى نائبه دستوريا.

       الخطوة الأولى في توجيه لائحة اتهام قدمها عضو مجلس النواب لولاية تكساس عن الحزب الديموقراطي، آل غرين، مطالباً بمحاكمة الرئيس "لعرقلته القضاء" حين أقال مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي، جيمس كومي. وشاطره الرأي عضو مجلس النواب الجمهوري عن ولاية فلوريدا كارلوس كيربيلو.

       في الخلفية إطلاق بعضهم العنان للرغبات الذاتية، عند الحزب الديموقراطي، بالاستناد إلى "تنبؤات" استاذ مادة التاريخ في الجامعة الاميركية بواشنطن، آلان ليكتمان، لصدق توقعاته بالفائز في الانتخابات الرئاسية منذ عام 1984. ليكتمان أعرب عن قناعته بتقديم الرئيس ترامب للمحاكمة "خلال ولايته الرئاسية" في مقابلة متلفزة بتاريخ 25 تموز/يوليو الجاري.

السيناريوهات الممكنة

       من الضروري بمكان استعراض الخيارات المتاحة أو السيناريوهات لتحقيق تقديم الرئيس للمحاكمة: توجيه الاتهام بالتقصير؛ الاستقالة وانتقال السلطة بسلاسة؛ تطبيق نصوص المادة الخامسة والعشرين (25) من التعديل الدستوري المعنية بمن سيخلف الرئيس؛ والخيار الرابع يتمحور حول استخدام وسائل "فوق القانون" لعزل الرئيس.

       الاتهام بالتقصير: منذ بدء الكيان السياسي الاميركي، قبل نحو 240 سنة، تم توجيه الاتهام لرئيسين اثنين، آندرو جونسون وبيل كلينتون، ولم تتحقق الاهداف بالاقصاء. جونسون خلف الرئيس المغدور ابراهام لينكولن، 1865، وكان نائبه؛ وكلينتون مضى الى نهاية ولايته الرئاسية.

       عند تطبيق المعايير الدستورية الناظمة لتقديم الرئيس ترامب للمحاكمة يتضح ضبابية الدلائل "ارتكاب الخيانة العظمى، تلقي الرشاوى .. الخ." ولجأ البعض باسقاط الرغبات الذاتية على النصوص الدستورية طمعاً لنيل بعض التعاطف والمضي قدماً، وتبرير اجراءات محاكمته لما يشكل بقائه لمزاجيته في التصرف من خطر على الحكومة الاميركية.

       يدرك مناوئيه مدى صلاحيات الرئيس الواسعة المنصوص عليها، ومنها حقه في إقالة من يشاء وتعيين البدائل متى يرى ذلك ضروريا، على خلفية إقالته لمدير مكتب التحقيقات الفيدرالي جيمس كومي، ولا ينطبق عليه اتهام "سوء التصرف" لتجريمه لاحقا. كما حذر أخصائيو القانون الدستوري من مغبة الارتكاز الى تلك الحجة كونها لا تستند الى آليات ومبررات قانونية.

       في المستوى النظري الاستشرافي، لو تسنى للحزب الديموقراطي الفوز بأغلبية مقاعد مجلس الشيوخ في الانتخابات النصفية المقبلة، 2018، باستطاعتهم تطويع المبررات والمصادقة على لائحة اتهام بحق الرئيس، آخذين بعين الاعتبار ان ذلك الاجراء يحتاج الى الأغلبية البسيطة من الاعضاء.

       وهنا تبرز العقبة الأكبر في ذاك الاجراء، إذ ان الشروع في تقديمه للمحاكمة يحتاج الى موافقة ثلثي الاعضاء، اي 67 صوتاً من أصل 100. عند إضافة عنصر تماسك قاعدة مؤيدي الرئيس ترامب، خارج العاصمة واشنطن وتعقيداتها، تتضح صعوبة السعي لاقصائه بنجاح.

       يشار الى تجربة الأغلبية الجمهورية عام 1998 لتقديم الرئيس كلينتون للمحاكمة، وحصدت غضب واستنكار القواعد الشعبية في الانتخابات التالية نظراً لإخفاق "الاغلبية" في تقديم الحلول العاجلة لقضايا ملحة وانشغالها بملاحقة الرئيس عوضاً عن ذلك.

       استناداً الى تلك التجربة الحية، نستطيع القول انه من المستبعد نجاح مساعي تقديم لائحة اتهام للرئيس ترامب ضمن الظروف السائدة، والتي قد تستدعي إعادة صياغة للنصوص الراهنة في التعديل الدستوري، والذي يبدو أمراً بعيد المنال.

       الاستقالة والانتقال السلمي : وهي الحالة المقاربة "للخيار النيكسوني،" نسبة الى الرئيس الأسبق ريتشارد نيكسون، الذي فضل خيار الاستقالة على المثول أمام الكونغرس كمتهم. بيد ان نيكسون ثبت ارتكابه جُرم إعاقة العدالة خلال اجراءات التحقيق في فضيحة ووترغيت، مما حفز كبار قادة الحزب الجمهوري مواجهته بصراحة ومطالبته بتقديم استقالته وإنقاذ الحزب الجمهوري من هزيمة مدوية في الانتخابات المقبلة.

       استقالة نيكسون لم تسعف الحزب الجمهوري أو سمعته وتلقى واحدة من أكبر الهزائم السياسية في تاريخه نتيجة تجذر الغضب الشعبي من تجاوزات رئيس البلاد. خيار "الاستقالة" يشكل الحل الأنسب لنقل السلطة بسلام وسلاسة، لكن بلوغه تحدده الظروف والضوابط وليس الرغبات.

       طبيعة الرئيس ترامب بالصمود امام الرياح والعواصف، مهما كلف الثمن، وان تطلب الأمر التضحية ببعض معاونيه تقود الى الاستنتاج باستبعاد إقدامه على الاستقالة الطوعية، وفق المعادلات والتوازنات الراهنة.

       اما تصريحات بعض كبار قادة الحزب الجمهوري، ليندسي غراهام، لترجيح خيار الاستقالة والدفع باتجاهها تصطدم بحائط القاعدة الشعبية الداعمة لترامب والتي لن تغفر له وأعوانه نواياهم وتنتظر بمعاقبتهم في الانتخابات المقبلة.

       المادة 25 من التعديل الدستوري: استحدثت المادة في اعقاب اغتيال الرئيس جون كنيدي لتمهد سبل انتقال السلطة في ظروف غياب الرئيس او نائبه عن المشهد في حالات "الوفاة، العزل، الاستقالة، او العجز عن القيام بالمهام." وجرى تطبيق نصوصها، أو بعضها، في حال الرئيس الاسبق نيكسون، 1974.

       قسم لا بأس به من السياسيين يفضل ذاك الخيار في حال الرئيس ترامب، نظراً للأسس الدستورية التي لا يشق لها غبار، واختصارها للجدل الزائد عن الحد.

       البند الرابع من التعديل يمهد، بعض الشيء، للمضي في نقل السلطة الى نائب الرئيس، اذ ينص على "... يقدم نائب الرئيس بالتعاون مع غالبية من المسؤولين الرئيسيين في السلطة التنفيذية اشعاراً خطياً للرئيس المؤقت لمجلس الشيوخ ورئيس مجلس النواب يفيد بأنه يتعذر على الرئيس ممارسة صلاحياته ومهامه، يتعين على نائب الرئيس تسلم الصلاحيات على الفور كرئيس بالوكالة."

       بكلمة أخرى، باستطاعة نائب الرئيس مايك بنس "التعاون" مع غالبية وزراء الحكومة الإقرار بأن الرئيس ترامب لم يعد كفؤاً أو مؤهلاً للاستمرار في منصبه؛ وتنقل إليه الصلاحيات تلقائياً. بيد أن الاشكالية الأكبر في هذا "التعاون" تكمن في نص المادة المذكورة بإتاحتها الفرصة "للرئيس الدفاع عن نفسه أمام اتهامه بالعجز."

       كما ان الفرصة الزمنية المطلوبة لذلك والمنصوص عليها قد تعمل لصالح ترامب بدلاً من ضده. إذ ينبغي على الكونغرس الانعقاد خلال 48 ساعة بعد تسلمه الاخطار الخطي لمناقشة الأمر، في حال عدم انعقاده اعتياديا؛ وهو ملزم بعقد جلسة للتصويت خلال 21 يوماً والتصويت بأغلبية ثلثي اعضاء المجلسين لصالح الاخطار وتطبيق المادة الخاصة بنقل السلطة الى نائب الرئيس. وفي حال تعذر ذلك، يستمر الرئيس في تسلم مهام منصبه.

       تجدر الاشارة الى ان الفترة الزمنية الطويلة نسبيا، 21 يوماً، الخاصة بقرار الكونغرس ينطوي عليها مخاطر سياسية قد تؤدي بشلل عمل الحكومة واجهزتها المختلفة، وقد تدفع مؤيدي ترامب القيام باضطرابات مدنية، فضلاً عما توفره من مساعي الناخبين للضغط على ممثليهم في الكونغرس بعدم التصويت لصالح الاجراء.

       خيارات خارجة عن الاعراف القانونية: المقصود بها "التخلص من شخص الرئيس اغتيالاً أو استبعاداً بسبب أو التسبب بمرض يقعده." بداية، هي آخر السبل التي يمكن اللجوء اليها، لكنها أشدها استبعاداً في ظل الانقسامات والاصطفافات السياسية الحادة في المجتمع الاميركي برمته.

       المراهنة على ذاك الخيار ينبغي أن تأخذ بعين الاعتبار انتشار محتلف انواع الأسلحة "المرخصة" بأيدي "جمهور ترامب،" الذين لن يتخلفوا عن استخدام ما لديهم من موارد وامكانيات ضد رموز الدولة، أشخاصا وكيانات ومؤسسات. ولعل الأخطر ما تفرضه الظروف المتجددة من ضغوط على "الرئيس بالوكالة" تضعه أمام خيارين أحلاهما مر: إما تقديم الاستقالة أو إخلاء المنصب والفرار.

       بالمقابل فإن المؤسسة العسكرية والأمنية، بكامل أجهزتها وتشعباتها، لم يسجل لها، منفردة أو مجتمعة، عداءها لترامب، ومن ثم تقديم دعم ضمني لأي تحرك مضاد. عند النظر الى حجم الحشد الهائل للرئيس ترامب في الايام الأخيرة، أمام أجهزة الشرطة والأمن، يتضح عدم أهلية هذا الخيار.

       بالمحصلة، لا يعتقد بأن هذا السيناريو قابل للتطبيق في أي وقت منظور على الأقل.

       اما التسريبات الصحفية المضادة، رغم ما ينطوي عليها من بعض المصداقية، فلا تشكل أرضية كافية لتقديم ترامب للمحاكمة. عندما تتوفر أدلة مادية قاطعة ومقنعة في آن، بأن ترامب غير مؤهل للمنصب الرئاسي، سيجد المناوئون أنفسهم أمام مأزق يتمثل بضعف تأييد اعضاء الحزب الجمهوري لمساعي الاقصاء، والذين يصغون لعدم حماس النبض الشعبي في دوائرهم الانتخابية.

       كما أن موجة الاحتجاجات الكبيرة التي اندلعت فور تسلم ترامب مهام منصبه شهدت تراجعاً ملحوظاً، فضلاً عن عدم تجذر مطالب شعبية محقة بإقصائه خارج المناطق "الليبرالية التقليدية،" المتمثلة بمعظم ولايات الساحل الشرقي وبعض ولايات الساحل الغربي للبلاد.

       ترامب، من جانبه، يحرص على استحضار الرفض الشعبي "غير المنظم" لسيطرة ونفوذ الحكومة المركزية، وتسخيره في خدمة أجندته ضد التوجهات "الرسمية التقليدية." وفق المؤشرات الراهنة، وان استطاع ترامب المحافظة على تماسك قاعدته الانتخابية، فمن غير المستبعد ان يفوز بولاية رئاسية ثانية عام 2020.

المصدر: د. منذر سليمان

مركز الدراسات الأميركية والعربية

هل تعيد حماس حساباتها تجاه حلفائها بالمنطقة؟

 

 

الثلاثاء 8/8/2017 م ...

هل تعيد حماس حساباتها تجاه حلفائها بالمنطقة؟ ...

الأردن العربي - كمال عليان - لم تأتِ الزيارة الرفيعة لقادة حماس إلى طهران قبل ايام، مفاجئة لدى كثير من الأوساط السياسية، لاسيما وقد سبقها ترتيبات مكثفة، زادت وتيرتها الفترة الأخيرة، بعد قمة الرياض التي وصفت خلالها الحركة بالإرهاب، مروراً بحصار قطر.

لكن الزيارة الأخيرة ضمَّت وفدًا رفيع المستوى من الحركة، بقيادة عضوي المكتب السياسي عزت الرشق وصالح العاروري، وأسامة حمدان المكلف بالشؤون الدولية، وممثل الحركة في إيران خالد القدومي، الأمر الذي فتح الباب مشرعًا لطرح جملة أسئلة حول حسابات حماس تجاه حلفائها، وهل اضطرت حماس أو إيران، أو كلتاهما معًا، أن تدفعا أثمانًا لجَسْر الهُوَّة بينهما؟، وماذا بشأن قطر وتركيا؟ وماذا عن مصر والإمارات اللتين يسعيان مؤخراً للتخفيف من أزمات غزة عبر القيادي المفصول من حركة فتح محمد دحلان؟

كانت إيران وسوريا الحليف الاستراتيجي لحركة حماس، غير أن العلاقة معهما أخذت بالفتور إبان الثورة السورية عام 2011 الماضي، لتنتقل قيادة الحركة إلى قطر وتركيا، فيما يدور الحديث حالياً عن نية الحركة نقل بعض قياداتها إلى أراضي الجزائر.

الكاتب والمحلل السياسي د. إبراهيم أبراش، يصف حركة حماس بالحركة البراغماتية، حيث إنها مستعدة أن تغيّر من سياساتها وحلفائها بما يحافظ على استمراريتها ووجودها.

ويقول أبراش لـ"دنيا الوطن": "في الفترة الأخيرة تعيش حماس في أزمة على مستوى قطاع غزة، وأزمة بالنسبة لحلفائها، حيث خسرت الكثير من الحلفاء بدءاً من سوريا وحزب الله وتوترت علاقتها بإيران فترة من الفترات، والآن قطر ربما تعيد النظر في علاقاتها بالإضافة إلى مصر".

ويوضح أن حماس تحاول أن تنسج علاقة مع أي طرف يمكنه أن يطيل من عمر سلطتها في قطاع غزة، بغض النظر من أن هذه الأطراف معنية بالمشروع الوطني الفلسطيني أو غير معنية، مبيناً أن هذا التوجه لا يخلو من المخاطرة.

ويضيف أبراش "حماس تقاربت مع دحلان والإمارات مؤخراً، وبالتالي فإن المغامرة بأن تفتح العلاقة مع إيران- الحلف المعارض للحلف المصري الإماراتي السعودي- وبالتالي تدخل في مغامرة قد تؤثر على تقاربها الأخير مع مصر والإمارات والسعودية".

بدوره، يرى الكاتب والمحلل السياسي حسن عبدو، أن حركة حماس تسعى لأن تقيم أفضل العلاقات مع كامل دول الإقليم بدون الدخول في محاور، خاصة بعد انهيار المحاور لكونها مهتزة وغير ثابتة.

ويقول عبدو لـ"دنيا الوطن": "تحدث معظم قيادات حماس بأنها تريد أن تنفتح كما جاء في وثيقة المبادئ السياسية على كافة دول الإقليم والعالم، وأعتقد أن هذه الزيارة هي تطبيق لما جاء في الوثيقة السياسية".

وأوضح أن حماس تعيد بالفعل حساباتها تجاه حلفائها خارج نطاق المحاور، وتريد أن يكون لها علاقات مع كافة الدول كون أن فلسطين تحتاج الجميع.

وفي ذات السياق، يعتبر المحلل السياسي حمزة أبو شنب، مقارنة البعض لتطور العلاقة بين حماس وإيران بعلاقة الحركة مع السعودية، "مقاربات خاطئة".

ويقول أبو شنب لـ"دنيا الوطن": "هناك بون شاسع في تاريخ علاقة حماس مع كل من الرياض وطهران، أو على صعيد موقفهما من قضية فلسطين، فالسعودية ترى أن المؤسسات الدولية هي المطالبة بحل قضية فلسطين، ولم تقدم للفلسطينيين الدعم بالسلاح ولم تستثمر علاقاتها مع الولايات المتحدة في إنهاء الاحتلال أو حتى إلزام إسرائيل بتخفيف العدوان".

ويؤكد أن إيران منذ الثورة الإيرانية وهي تسعى لتعميق علاقاتها بالفلسطينيين، وقد طورت علاقاتها مع جميع فصائل المقاومة الفلسطينية، ولها موقف معادٍ من العملية السلمية، كما أنها تدعم المقاومة الفلسطينية بالمال والسلاح.

بحث هام .. "الإشتراكية بالخصائص الصينية" .. واقع وتحديات

 

 

فتحي كليب ( فلسطين ) الجمعة 4/8/2017 م ...

بحث هام .. "الإشتراكية بالخصائص الصينية" .. واقع وتحديات ...

في إطار التوجه العام للقيادة الصينية بالانفتاح على أحزاب وشخصيات شيوعية واشتراكية ويسارية بهدف وضعها في صورة آخر ما توصلت اليه الصين من نهضة اقتصادية وتنموية، استضافت جمهورية الصين الشعبية، بدعوة من دائرة العلاقات الخارجية في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي، وفداً يسارياً من الدول العربية (21 حزباً من 9 دول عربية)، في الفترة الواقعة ما بين (10-20 نيسان/ أبريل الماضي). وكانت هذه هي المرّة الثالثة التي يزور فيها وفد يساري عربي جمهورية الصين.

وتخلل برنامج الزيارة استماع إلى محاضرة ألقاها مدير عام إدارة غرب آسيا وشمال أفريقيا في «دائرة العلاقات الخارجية»، السيد تشاو ويدونغ، حول «الصين والحزب الشيوعي الصيني»، تحدث فيها عن الصين التي جربت الكثير من الأنظمة السياسية والاجتماعية، لكنها كلها باءت بالفشل ولم تحقق طموحات وتطلعات الشعب الصيني بالرفاهية والحرية، فكان طريق الاشتراكية هو «الخيار الأنسب إذ أنه أعاد للصين وضعيتها على المستوى الدولي، ومن خلاله حقق الشعب إنجازاته التنموية، ولا زال ينتظره عمل شاق للوصول الى مبتغاه». معتبراً أن الأولوية بالنسبة للصين هي للبناء الداخلي، خاصة بعد أن «دخلت الصين في المياه العميقة وبدأ الإصلاح يضرب مصالح الكثير من القياديين داخل الحزب والدولة».

كما تخللها ورشة عمل تحت عنوان «كيف تُقيّم القوى اليسارية في الدول العربية تجربة الحزب الشيوعي الصيني في حكم الدولة وإدارة الحزب وممارسته». وكانت هذه الورشة محطّ اهتمام الحزب حيث شارك فيها عدد واسع من الخبراء والباحثين الذين استمعوا بعناية إلى مداخلات ممثلي الأحزاب وتوزعوا في الرد عليها متوقفين عند بعضها بالاستفسار والاستيضاح.

معطيات رقمية

الصين دولة مترامية الأطراف، يبلغ عدد سكانها مليار وأربعمائة مليون نسمة (منهم 22 مليون مسلم)، وتمتد على مساحة 9,6 مليون كيلومتر مربع، وهي أكبر دولة آسيوية من حيث المساحة والثالثة على مستوى العالم بعد روسيا وكندا. لديها حدود مشتركة مع 14 دولة. وتضم 22 مقاطعة (23 بإضافة تايوان)، و5 أقاليم ذات حكم ذاتي.

وهي دولة متعددة القوميات (56 قومية)، أهمها قومية هان أو الماندرين وقوميات أخرى تعتبر من الأقليات التي تتعايش فيما بينها تحت حكم الحزب الشيوعي، الذي استطاع أن يصهر كل هذه القوميات والأقليات في وطنية واحدة توحدت جميعها من أجل نهوض الصين، ولتأخذ مكانها الطبيعي بين دول العالم القوية.

يبلغ عدد المدن في الصين 657 مدينة اكبرها مدينة جون تينغ وعدد سكانها 30 مليون نسمة. وهناك 30 مدينة عدد سكانها أكثر من 8 ملايين، و13 مدينة سكانها أكثر من 12 مليون. فيما يبلغ عدد سكان العاصمة بكين 22 مليون نسمة، تليها مدينة شنغهاي بتسعة ملايين.

وتحتضن الصين واحدة من أعرق الحضارات المتجذرة عبر التاريخ، التي قال عنها نابليون بونابرت يوماً: «لا توقظوا التنين من نومه فلو استيقظ لهز العالم». هل كان هذا القائد الفرنسي على حق عندما حذر من تحرك المارد الصيني بعد عقود من الاستعمار والعدوان (انكلترا، البرتغال واليابان)، جعلت الصين غارقة في جهل وتخلف لا يختلف كثيراً عما عاشته معظم دول شرق آسيا، خاصة من كانت منها محط أطماع الدول الاستعمارية التي سعت مراراً إلى السيطرة عليها وجعلها سوقاً لمنتجاتها، وهو ما دفع الشعب الصيني للثورة على هذا الواقع أكثر من مرة كان آخرها عام 1911، عندما تمّت الإطاحة بالنظام الإمبراطوري وتأسيس نظام جمهوري لم يستطع تحقيق طموحات الشعب الصيني الذي ظل تواقاً لاستعادة أمجاده عبر التاريخ.

مع انتهاء الحرب العالمية الثانية واستسلام دول المحور أصبحت الصين في وضع اقتصادي صعب بسبب النتائج التي انتهت إليها الحرب الصينية - اليابانية التي تركت الصين في وضع صعب على مختلف المستويات، في ظل عجز النظام السياسي عن تقديم إجابات تعالج المشكلات التي تعيشها البلاد، ما شكل الدافع للثورة على هذا الواقع بقيادة الحزب الشيوعي الصيني الذي انتصر في ثورته عام 1949، معلناً الصين جمهورية شعبية تتبنى النظام الاشتراكي، ولتبدأ رحلة المارد الصيني نحو صين جديدة وقوية.

والصين الآن، هي أكبر دولة نامية في العالم، وقد حققت تقدماً كبيراً على مستوى التنمية، إذ نما إجمالي الناتج المحلي بمعدل سنوي قدره 7,8 %، وهي نسبة مرتفعة، دفعتها لأن تصبح ثاني أهم اقتصاد في العالم، وثالث أكبر بلد من حيث التصدير. وتحوّلت إلى الدولة الكبرى الأولى عالمياً من حيث تجارة البضائع، والدولة الكبرى الرئيسية من حيث الاستثمار في الخارج، وارتفع متوسط دخل الفرد من 186 دولارا في بداية طرح سياسة الإصلاح والانفتاح إلى 7700 دولار بداية عام 2016، وسوف يصل إلى عشرة آلاف دولار عام 2020.

من التخلف إلى رحاب التنمية الناجحة

تركّزت عناوين الحوار التي طرحت خلال المحاضرات وورش العمل حول النقطة الجوهرية التي كانت القيادة الصينية تريد الوقوف على رأي الأحزاب اليسارية في الدول العربية بشأنها، وهي مسألة أو نظرية «الاشتراكية ذات الخصائص الصينية»، التي تردّدت على ألسنة المحاضرين لدرجة المبالغة أحياناً، فما أن يرد مصطلح الاشتراكية على لسان أحدهم حتى يقرنه بمصطلح «ذات الخصائص الصينية»، في تأكيد منهم، ربما، بأن هذا المسار الذي انطلق بداية عام 1949، أصبح جزءاً لا يتجزأ من تاريخ الصين الحديث، وبالتالي لا يمكن الحديث عن الصين وحزبها دون الحديث عنه.

وفي الواقع، فإن مصطلح «الاشتراكية ذات الخصائص الصينية» ليس بالشيء الجديد، بل سبق للصين واعتمدته في مراحل سابقة، ولكن بمضامين مختلفة، خاصة عندما أعلنت تمايزها عن الاتحاد السوفياتي في وقت ما، وقدمت للعالم وللحركة الثورية العالمية «اشتراكية» تختلف في تفاصيلها عن «اشتراكية الاتحاد السوفياتي»، لدرجة التناقض والتصارع فيما بينهما. كما سبق للزعيم الصيني ماوتسي تونغ وطرح نهاية الثلاثينات، أثناء فترة النضال من أجل استقلال الصين، فكرة أن يكون هناك «ماركسية بملامح صينية»، انطلاقاً من كون الغالبية الساحقة من الشعب الصيني كانت ولا زالت من الفلاحين وليس من الطبقة العاملة، كما كان عليه الأمر في الاتحاد السوفياتي، وهذا ما شكل أحد أهم أسباب الخلاف بين الطرفين.

تجربة رائدة ومتميزة

لم يكن الهدف من الزيارة، بالنسبة لي، محاكمة تجربة الحزب الشيوعي الصيني على مستوى الحزب والدولة فقط، وإن كان هناك خشية وتحفظات تم التعبير عنها من خلال مداخلات بعض المشاركين من انزلاق الصين إلى الرأسمالية، نتيجة الدور المتعاظم لبعض الفئات الاجتماعية (رجال الأعمال والمستثمرين)، وما يمكن أن تشكله هذه الفئة الاجتماعية في المستقبل من قوة ضاغطة قد تؤثر على الخيارات الفكرية والايديولوجية للحزب الشيوعي والدولة الصينية. بل كان الهدف، إضافة إلى ذلك، التعرف عن قرب على هذه التجربة العظيمة التي مهما قيل فيها من ملاحظات، إلا أنها تبقى تجربة رائدة تستحق التأمل والدراسة بغية الاستفادة منها وتعميمها على مستوى دولنا ومجتمعاتنا. مع الأخذ بعين الاعتبار أنه ما من تجربة أفادت الانسانية إلا ووقعت في أخطاء، غير أن العبرة الأساس تكمن في «القدرة على تحويل الأخطاء إلى قوة دافعة تحرك المجتمع نحو بلوغه أهدافه».

حكَمَ الحزب الشيوعي بزعامة ماو تسي تونغ الصين مدة تسعة عشرة عاما، أرسى خلالها دعائم ومرتكزات التنمية التي ستكون لاحقاً عنواناً لعملاق اقتصادي قادم. وكانت الخطوات الأولى التي بدأها الحزب هي التركيز على تنمية الصناعات الثقيلة.

لكن، ورغم التحسّن الذي طرأ لجهة رفع معدلات التنمية في مجالي الصناعة والزراعة، إلا أن طموح الصين بالتنمية الصناعية المرجوة أثبتت التجربة صعوبة الوصول إليه في تلك المرحلة. ما دفع بالقيادات الجديدة إلى طرح البدائل، ومنها الخيارات الفكرية والاقتصادية التي عرفت لاحقاً باسم «سياسة الاصلاح والانفتاح»، التي طرحها أمين عام الحزب في تلك الفترة ورئيس الدولة دينغ شياو بنغ، الذي يعتبر اليوم بنظر الصينيين رائد الاصلاح والتنمية.

اعتبر شياو بنغ أن صعود الصين إلى مصاف الدول الكبرى لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال الانفتاح على العالم، ما تطلب إدخال بعض التعديلات على النظام القائم، لتبدأ مرحلة جديدة من تاريخ الصين الحديث تحت عنوان «الاشتراكية ذات الخصائص الصينية»، والتي تتلخص في بناء الاشتراكية بآليات وأدوات رأسمالية، أطلق عليها الصينيون اسم «سياسة الإصلاح والانفتاح»، التي تراعي التغييرات المستجدة على مستوى العالم بغية الاستفادة من منجزات الثورة التكنولوجية، وبما لا يتعارض مع جوهر الماركسية ومبادئ الحزب الشيوعي.

استندت السياسة الجديدة إلى مجموعة عناوين:

1) إصلاح النظام الاقتصادي الذي يُقيّد تطور القوى المنتجة إصلاحاً جذرياً، ما عنى إدخال أدوات رأسمالية إلى المجال الاقتصادي، والاستعانة بفئات وشرائح برجوازية للمساهمة في عملية بناء الاشتراكية.

2) الاستناد إلى نظام اقتصادي جديد عبر التعايش ما بين قيم ومفاهيم اقتصاد السوق، بمعايير ومواصفات النظام الليبرالي الرأسمالي، مع ابقاء السيطرة والاشراف للحزب الشيوعي الصيني، وأطلق على هذا المفهوم الجديد «اقتصاد السوق الاشتراكي».

3) التمسك بسياسة الدولة الأساسية للانفتاح على العالم الخارجي, والاستفادة من كافة المكاسب الحضارية التي يبدعها المجتمع البشري.

وتبعا لذلك، اتخذت القيادة الصينية بدءاً من العام 1978 جملة من القرارات التي اعتبرت بنظر البعض انقلاباً على الخيارات الفكرية والطبقية (الأيديولوجية) لدولة تعلن تبنيها الماركسية. فقد قادت السياسة الجديدة إلى الحد من سيطرة جهاز الدولة المركزي على النشاط الاقتصادي حيث تم إقرار إصلاحات أدت إلى تغييرات كبيرة على مستوى الملكية والانفتاح على الأسواق العالمية ودخول الاستثمارات الأجنبية نتيجة إقرار سلسلة من الحوافز، وهو ما مهد الطريق لدخول الرأسمالية من الباب الواسع، رغم رفض الحزب الشيوعي والقيادة الصينية لمثل هذا التوصيف الذي يتناقض مع واقع يقول أن هذه السياسة الاقتصادية التي اتبعت تعتبر ممراً اجبارياً لنهضة الصين، خاصة وأنها تتم تحت إشراف مباشر من الحزب الشيوعي الصيني.

مهما اختلفنا في توصيف هذه السياسات والخيارات، إلا أننا لا نستطيع اغفال حقيقة النقلة الكبيرة التي حدثت خلال الأربعة عقود الماضية. لقد كانت ثورة على مستوى كل شيء، نتيجتها مارد سياسي واقتصادي أخرج شعبه من براثن الفقر والتخلف، معتمداً بذلك على نظرية وفكر مرتبط بخصوصية حضارية وتاريخية وجرأة في النقاش واقتراح التعديلات التي تتناسب مع الواقع العالمي، لكن دون التنازل عن ثوابت الطبقة العاملة والشعب.

لكن ما هي هذه «الاشتراكية ذات الخصائص الصينية»، وعلى ماذا تعتمد؟

إذا كان دينغ شياو بنغ رائد الاصلاح والانفتاح، فان جيان زيمين هو صاحب فكرة التعايش ما بين طبقات المجتمع من خلال نظرية «التمثيلات الثلاثة»، التي وإن كانت تؤكد على مركزية الحزب الشيوعي الصيني في الإدارة والاشراف على القطاعات الانتاجية المختلفة، إلا أنها في الوقت ذاته فتحت الباب أمام تساؤلات حول الهوية الطبقية للحزب الشيوعي، خاصة بعد أن سمح لشرائح من الطبقة البرجوازية بالانضمام إلى عضوية الحزب، وهناك بعض المعطيات الرقمية تقول إن هذه الفئة باتت تمثل اليوم أكثر من 20 % من الحزب، وهو رقم كبير في حزب قام أساساً على فكرة الصراع الطبقي!.

خلال لقاء جمعنا مع عدد من الباحثين والمحاضرين الصينيين، بادرت إلى طرح مجموعة من الأسئلة منها أن دستور الحزب الشيوعي الصيني يعتبر أن الحزب يمثل مصالح كل الشعب الصيني، ونحن نعلم حجم التناقض والتعارض الكبير بين مصالح الطبقة العاملة ومصالح الرأسماليين، وما نعرفه هو أن هناك أكثر من 70 مليون صيني يعيشون تحت خط الفقر، إضافة إلى الفوارق الكبيرة في مستوى المعيشة والتناقضات الواضحة بين المناطق المتقدمة والمناطق الفقيرة، وكذلك بين الريف والحضر، فكيف يمكن التوفيق بين مصلحة العمال والفلاحين ومصلحة الرأسماليين؟

ومن هذه الاسئلة أنّ سياسة الانفتاح أدّت إلى ظهور اتجاهات فكرية وقوى طبقية جديدة في الصين، فهل لدى الحزب الشيوعي الصيني القدرة الكافية على استيعاب هذه التحولات ومواكبتها والاستمرار في قيادة الصين لفترة زمنية طويلة؟

ومن الأسئلة أيضاً، كيف يمكن لفئات رأسمالية، موجودة في الحزب والدولة، أن تعمل من أجل إعلاء راية الشيوعية؟، وأن تناضل وتضحي من أجل انتصار الشيوعية ومبادئها؟!.

وقد أقرّ الباحثون والمحاضرون أن هناك نتائج إيجابية وسلبية لسياسة الانفتاح: منها عدم التوازن الاجتماعي والفروقات الاقتصادية. وقد حصل تغيرٌ واضح في المجتمع الصيني على الصعيد الاجتماعي، فظهرت طبقات وشرائح اجتماعية جديدة من أصحاب المهن الحرة والشركات والمؤسسات الخاصة. لذلك نحن نعترف بالتباين بين الطبقات ولا يمكن لمجتمع أن يتطور إلا في ظل تعددية اجتماعية تنصهر جميعها من أجل المصلحة العامة.

لكنّهم أكدوا، في المقابل، على أن التحدي هو أن تتحد كلّ تلك الفئات والطبقات والقوميات في سبيل بناء دولة اشتراكية، قوية وديمقراطية ومتحضرة، انطلاقاً من كون البناء الاقتصادي هو المحور الذي يجب أن يبنى عليه كل شيء، واغتنام الفرصة للتعجيل بالتنمية المستدامة، وتنفيذ استراتيجية تقوية الوطن اعتماداً على الأكفاء وتظهير دور العلوم والتكنولوجيا باعتبارهما القوى المنتجة الأولى التي تساعد في دفع التنمية الجيدة والسريعة للاقتصاد.

الركائز الثلاث

يتابع باحثو مكتب الدراسات الأدبية التابع للجنة المركزية للحزب الشيوعي شرحهم للاشتراكية الصينية بقولهم: تعتمد اشتراكيتنا على ثلاثة ركائز هي: «الطريق، منظومة النظريات، والنظرية الاشتراكية». وبهذه الركائز الثلاث التي تتمحور حولها الممارسات تتقدم الاشتراكية عبر التجارب المتكررة.

ماذا تعني ركيزة «الطريق»؟ هي التمسك بقيادة الحزب في كل شيء، منطلقين بذلك من واقع الصين، ومتمسكين بخيار الانفتاح الاقتصادي وتطوير العدالة الاجتماعية وبناء الصين كبلد ديمقراطي حديث غني واشتراكي، وتحرير القوى المنتجة وتطويرها، وتحقيق التنمية والرخاء لجميع أبناء الشعب تدريجياً، ونحن ما زلنا في المرحلة الأولى من الاشتراكية، ونعمل على تطويرها في جميع المجالات.

أما «منظومة النظريات» فتتمثل بالتمثيلات الثلاثة، أفكار دينغ شياو بنغ والتمسك بنظامنا السياسي الأساسي على مستوى نظام مجالس الشعب والتشاور السياسي مع الأحزاب الاخرى تحت قيادة الحزب الشيوعي، ونظام الحكم الذاتي في الأقاليم والإدارة الذاتية للسكان على مستوى القاعدة.

و«النظرية الاشتراكية» هي مرشد العمل والتمسك بالمبادئ الأساسية للاشتراكية العلمية بشكل يختلف عن الاشتراكية السوفياتية. وفي هذا السياق، أشار مدير عام إدارة غرب آسيا وشمال أفريقيا تشاو ويدونغ إلى أن الإصلاح هو الثورة الثانية في الصين. ورأى أنه بعد نحو 39 عاماً على سياسة الاصلاح والانفتاح فإن الانجازات المحققة كانت منقطعة النظير.

لكن، ورغم كل هذه الإنجازات، فإن هناك مظاهر سلبية أبرزتها سياسة الإصلاح والانفتاح، فقد تراجع دور القطاع العام الذي تمتلكه الدولة الى 35 %، فيما زادت ملكية القطاع الخاص عن 50 %، ما دفع كثيراً من الخبراء إلى طرح تساؤلات حول مستقبل الصين وخياراتها السياسية والاقتصادية والفكرية؟. ناهيك عن اتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء، وبين المناطق المتقدمة والمناطق الفقيرة وبين الريف والحضر وغيرها من التحديات.

تحديات المستقبل

هذه التحديات كانت مدار نقاش وأسئلة بين الوفد اليساري العربي وعمدة شنغهاي وأحد قياديي الحزب الشيوعي الصيني زهو وايمين، حيث قدم عددٌ من أعضاء الوفد أسئلة وملاحظات سريعة حول التنمية في المدينة وزيادة نسب الاستثمار وما ستتركه من انعكاسات سلبية على مستوى الاقتصاد. وبدوري قدمت مداخلة سريعة مضمونها التالي: إننا زرنا ثلاثة نماذج:

) مناطق صناعية غنية (شنغهاي).

) مناطق فلاحية وزراعية فقيرة (مقاطعة قويجو وبعض القرى).

) مناطق تجمع بين النموذجين (العاصمة بكين).

ويبدو أن الامر ليس صدفة، بل تم اختيار هذه المناطق بعناية شديدة بهدف إيصال رسالة فهم أعضاء الوفد فحواها. لكن، ورغم ذلك، فإن أهمّ تحدٍ يواجه القيادة الصينية هو في القدرة على جسر الفجوة بين الأغنياء والفقراء وبين الريف والمدينة ورفع مستوى التنمية لتشمل جميع الصينيين، وهذا هو معيار أي نجاح مستقبلي لتجربة بناء الاشتراكية في الصين، مع الأمل بأن تنعكس كل الانجازات على معيشة المواطن الصيني على كل الأراضي الصينية، كي يلمس المواطن ايجابيات التنمية وفوائدها ويشعر حقاً أن الاشتراكية لا تعرف الحاجة والفقر.

أما السيد وايمين فقد بدا متحمساً للحديث عن انجازات المدينة ومدى استفادتها من تقنيات الدول الغربية قائلاً: إن القيادة الصينية تعرف إلى أين تسير، وتدرك ما الذي تفعله، وما الذي تريده من الخطط التنموية التي يتم وضعها وتقييمها باستمرار، مشيراً إلى مئات آلاف الطلبة الذين يدرسون في الخارج، بوصفها قضية هامة تعول عليها القيادة الصينية للاستفادة من منجزات ومحاسن الليبرالية، في مسعاها لتعميم التنمية على جميع القطاعات البشرية والاقتصادية والتجارية والعمرانية، وعلى مستوى الصحة والتعليم والبنى التحتية وغيرها من قطاعات يمكن الاستثمار بها.

اليسار العربي ورؤيته لـ«الاشتراكية الصينية»

لقد عانت الحركات والأحزاب الشيوعية العربية تاريخياً من ظروف موضوعية معيقة في ظل غياب الحريات الديمقراطية والتعددية السياسية والحزبية، ومن القمع المسلط على أحزاب الطبقة العاملة وطمس الحريات النقابية. كما عانى اليسار من نمط التطور الاقتصادي المشوّه الذي حدّ من نمو الطبقة العاملة، وتفاقم هذا الوضع في السنوات الأخيرة في ضوء الأزمة الاقتصادية العميقة التي اجتازتها كافة البلدان العربية.

وقد أدّى انهيار الاتحاد السوفياتي كذلك، والحملات الامبريالية الملفقة التي راجت بعد ذلك حول «نهاية الماركسية» إلى حالة من الاحباط أصابت العديد من القوى الماركسية العربية، وأثارت ولا زالت تثير جدلاً واسعاً في صفوفها، وترافق هذا مع فشل التجارب التنموية في البلدان العربية، وطغيان السمة الكمبرادورية على البرجوازية الحاكمة، والتحاق شرائح عليا من البرجوازية الوسطى بالبرجوازية الحاكمة.

كما ترافق ذلك مع أزمة عميقة تعصف بجميع مكونات الحركة الثورية العالمية، باتت تفرض عليها ضرورة إدراك طبيعة التحولات التي تعصف بعالمنا المعاصر، واشتقاق النتائج النظرية والعملية المترتبة عليها. وهي تحولات ناجمة عن تلازم عوامل ثلاثة:

الأول: هو التغيير العميق في بنية الرأسمالية المعاصرة، الذي يشكل منعطفاً جديداً في مسار تطورها التاريخي.

الثاني: انهيار الاتحاد السوفياتي ودول المعسكر الاشتراكي.

الثالث: تراجع وتفكك حركات التحرر الوطني في بلدان العالم الثالث بفعل تسارع التدهور اليميني لبورجوازيتها التي تتعاظم وتتعمق سماتها الكمبرادورية، ويتجدد اندماجها من موقع التبعية في النظام الرأسمالي العالمي.

أما على المستوى الصيني، فتبدو تجربة الحزب الشيوعي مختلفة تماماً لجهة تمكن الحزب الشيوعي الصيني من استخلاص النتائج المترتبة على تلك التحولات العالمية، على الصعيد النظري كما على صعيد الممارسة العملية، وتجاوز حالة الجمود والمراوحة في المكان، والبلبلة الفكرية التي ما زالت تعصف بقوى اليسار العالمي.

إن نظرة المثقفين والثوريين العرب، واليسار العربي بشكل عام، إلى تجربة حكم الحزب الواحد (بما فيها التجربة الصينية)، تتأثر بتجارب فاشلة في أكثر من بلد عربي، حيث كانت النتائج في مجال التطبيق مأساوية، سواء على المستوى الاقتصادي لجهة فشل جميع تجارب التنمية وانتشار الفساد بشكل واسع داخل أجهزة الدولة والحزب في آن، أم على مستوى الحريات والديمقراطية بعد أن تحول حكم الحزب الواحد إلى استبداد مطلق وحكم ديكتاتوري تم تبريره تحت شعارات الوحدة والتنمية والتحرير. أما في تجربة الحزب الشيوعي الصيني، فنحن أمام حالة مختلفة، إذ أننا في حضرة حزب ثوري تمكن من قيادة شعبه نحو الأمن والأمان والعدالة الاجتماعية مسترشداً بالماركسية اللينينية والتراث الصيني عبر التاريخ وبعض محاسن الليبرالية الاقتصادية، ليقدم للبشرية تجربة غنية وفريدة في الحكم والإدارة المنظمة لمقدرات الدولة.

مقارنة لا بدّ منها

ورغم أن المقارنة ليست واقعية بين الظروف والخصائص الاقتصادية والاجتماعية التي تعيشها الدول العربية ودولة كالصين بتجربتها الغنية، إلا أن المقارنة تصبح لازمة لجهة توافر الإرادة السياسية لطليعة المجتمع وعلاقتها بشعبها وتفاني الجميع من أجل تحقيق هدف توافقوا عليه جميعاً.

بهذا المعنى، فإن تجربة الحزب الشيوعي الصيني وإدارته للدولة على مدى عقود كانت ناجحة بكل المقاييس، (اقتصاد ناجح، تجارب تنمية تتطور بالنظرية والممارسة، تحديد نقاط القوة والضعف وتخطيط دؤوب استفاد من كل ما هو متوافر على مستوى الموارد الطبيعية والسكانية، اصلاحات فكرية وتنظيمية واقتصادية وسياسية ووضع الجميع تحت راية القانون، واعتبار الحزب والدولة في خدمة كل طبقات الشعب لا فرق بين مواطن وآخر إلا بمقدار ما يقدم من خدمات لمجتمعه).

وبغض النظر عن التباينات الحاصلة بين التيارات الشيوعية واليسارية على مستوى العالم في تقييمها للتجربة الصينية، وخاصة لجهة تبني «اشتراكية بخصائص صينية»، أو «بناء الاشتراكية بآليات رأسمالية» والانفتاح على العالم الخارجي، إلا أن الاساس هنا هو أن كل هذه الخطوات تمت برعاية وإشراف الحزب الذي يدرك أن العبرة ليس في شكل النظام الذي نقيم، إنما الانطلاق من فهم حقيقي لتطلعات الشعوب ورغبتها في الوصول إلى مجتمعات متقدمة ومزدهرة. وهنا تصحّ الحكمة الصينية التي كانت محور التفكير الجديد للرئيس دينغ شياو بنغ بأن «ليس المهم هو لون القط، سواء أكان أبيضاً أم أسوداً، بل قدرته على اصطياد الفئران». والنتيجة أن الصين كدولة أصبحت اليوم قوة اقتصادية كبيرة وتمكنت من إخراج شعبها من دائرة سوداء ليخرج إلى رحاب التنمية الناجحة.

الحكمة الصينية بشأن لون القط يجب تأملها بعناية وعكسها على واقع دولنا العربية وجميع الدول النامية، التي لو خيرت شعوبها بين واقعها الحالي وواقع مختلف تسوده التنمية الناجحة والعدالة الاجتماعية والمساواة أمام سلطة القانون، لأجمعت على الخيار الثاني دون السؤال عن آليات الوصول إلى ذلك!! وهذا ما حصل في الصين تماماً عندما تمّت الاستعانة بأدوات رأسمالية لتحقيق غايات وأهداف اشتراكية.

رغم كل ذلك، فطريق الحزب الشيوعي الصيني لم يكن مفروشاً بالورود، لكنه امتلك الإرادة والجرأة، فحرر العقل وهيأ المجتمع لمرحلة جديدة من النضال شكل العمل المتفاني محورها. وعلى هذه الأرضية سار المجتمع الصيني في تجربة تحررية وثورية وفكرية وتنموية هامة لا زلنا نتعرف على أسرارها.

الثورة الصينية بكل منجزاتها وإخفاقاتها تشكل اليوم إحدى عناوين الصراع الفكري والسياسي داخل الحركة الشيوعية العالمية، سواء في كل بلد على حدة أو على الصعيد الأممي، فما أنتجته هذه التجربة من قضايا ومسائل إيديولوجية وسياسية وتنظيمية يشكل اليوم إرثا لا غنى عنه لجميع الشيوعيين من أجل قيادة الثورة في بلدانهم والمساهمة في الثورة العالمية برؤية أكثر وضوحاً و بعزيمة أكثر صلابة.

من أسباب النجاح

مجموعة من الأسباب ساهمت في هذا النجاح، يقع في مقدّمها أن الحزب الشيوعي الصيني لم يضع نفسه في قوالب جامدة، ولم يعتبر الماركسية اللينينية نصوصاً مقدسة، كما فعل كثيرون، بل أدوات استرشادية مساعدة تتغير مضامينها بين مرحلة وأخرى. وبهذا المعنى فقد أعطى الحزب لنفسه ولأعضائه حق التفكير الحر والمتحرر من كل القيود، وامتلك الجرأة على طرح تصورات وتطويرات لقضايا وأمور ما زالت بعض الحركات الشيوعية تعتبرها ثوابت وخطوطاً حمراء لا يمكن المسّ بها.

عنوان «الإصلاح» الذي تفرضه طبيعة الحياة ومسارات التغيير، كان من أهمّ تلك القضايا، بينما الجمود الفكري والسياسي والتنظيمي لا يقود سوى إلى التخلف، خاصة عندما تصبح الأطر الجامدة عقبة أمام حالة التطوير التي تحتاجها المجتمعات.

كما أنّ تجارب التاريخ في مساراته المختلفة تقول: إن لم تأت مبادرات الاصلاح والتغيير من داخل المجتمع، فان ثقل المعاناة سيأتي بها من الخارج بما يجعل البلاد مشرعة أمام كل أشكال التدخلات الخارجية نتيجة اتساع الهوة بين القيادة والشعب. وقد كانت القيادة الصينية ذا بصيرة عندما أدركت هذه المسألة مبكراً، فأتى الاصلاح السياسي والاقتصادي بمبادرة منها وبإشراف مباشر من الحزب الشيوعي، كدلالة على جدية هذه القيادة في سعيها نحو التنمية الاقتصادية وتحسين الكفاءة والاصلاح والمنافسة الاقتصادية الصينية في الأسواق الخارجية.

وهو ما ساهم، في المحصلة، بصناعة واحدة من الملاحم الانسانية في مجال التغلب على الذات والانتصار على الظروف.

دراسة هامة ... دور “إسرائيل” وداعش .. خفايا اتفاق الجنوب السوري في هامبورغ !

 

 

الأربعاء 26/7/2017 م ...

دراسة هامة ... دور “إسرائيل” وداعش .. خفايا اتفاق الجنوب السوري في هامبورغ !...

الأردن العربي -

مقدمة:

مما لاشك فيه أن الولايات المتحدة الامريكية تدعم استمرار الحرب في سورية وتشارك فيها ليس لأجل الحرب ذاتها، وإنما لتمرير مشاريع وسيناروهات تعجز عن تطبيقها بالوسائل السلمية والظروف الاعتيادية، كما أن قيام الجمهورية العربية السورية واستقرارها هي حالة طارئة في مسار التاريخ فإن الأزمات المتلاحقة واستمرار المشاريع على حساب كيان الجمهورية وشعبها أمر متوقع، واستمراره هو استمرار طبيعي للمسار التاريخي في المنطقة.

وبالعودة إلى الوراء بلقطات سريعة نجد أن مجمل المنطقة بما يتضمن الجمهورية العربية السورية كانت تحت الاحتلال الفرنسي الذي سبقه العثماني والعباسي والأموي وصولاً للروم والفرس والممالك السابقة المتناحرة، ويعود ذلك لأهميتها الجيوسياسية وتشكيلها لمفتاح الربط في الجغرافية على صعيدين السلم والحرب، واستناداً إلى ورقة نشرت للكاتب سابقاً في مركز كاتيخون katehon.com للدراسات في موسكو تحت عنوان البحار والمحيطات من الإسناد والإمداد إلى المواجهة الجيوسياسية ، تتوضح أهمية الدول المشاطئة وتركز الأهمية الجيوبولتكية عليها تبعاً لأهمية البحر أو المحيط المشرفة عليه، فكيف بالدولة السورية التي تشغل حيزاً جغرافياً يعد محط اهتمام دولي في المنظورين الجيوبولتيكي السابق والمنظور المعاصر، ومع اختلاف الأساس التي تقوم عليه الدول من الأساس الديني (دولة إسلامية -دولة مسيحية) سابقاً إلى الأساس القومي، وبعده الاقتصادي العابر للقومية، اختلف معه وسائل الحرب، فتحولت الدول نحو الحروب الممولة بشرياً ومادياً على حساب غيرها (بالوكالة)، استناداً إلى دعم الشرخ بين دول الأقليم نفسه وتعزيزه، وتعزيز مفهوم الحروب الصفرية والوجودية (إما رابح لكل شيء أو خاسر لكل شيء).

ومن الأمثلة على التنظيمات الناشئة تحت هذه الغاية هو تنظيم داعش المنشق عن تنظيم القاعدة، بفكره الوهابي الجهادي المأدلج لخدمة هذا الهدف، ولكن مايميز تنظيم داعش هو أجندته الخاصة غير التابعة لأوامر قياداته ومشغليه، وهو نتيجية متوقعة لتنظيمات تنتهج الإرهاب وسيلة لتحقيق أجنداتها، مما استدعى قيام التحالف الستيني الذي تقوده واشنطن لاحتواء التهديد والتمدد، ولكن دون إزالة الخطر، بحيث يبقى ذريعة فعالة أمام المجتمع الدولي للتدخل المباشر والإشراف على تطبيق المشاريع الغربية على مسافة قريبة، بحيث يتحول تنظيم داعش من خطأ ستخباراتي أمريكي إلى استثمار غير مباشر طويل الأمد في المنطقة.ولكن المتغير غير المتوقع كان كسر القيادة الروسية لحاجز الخوف من تجربتها الأفغانية وتدخلها المباشر في الحرب السورية في عملية مكافحة الإرهاب، وأدت فعالية الضربات الروسية وقوتها وجديتها إلى إعادة واشنطن لكل حساباتها الاستثمارية المتعلقة بتنظيم داعش، بحيث أطلقت على الفور عملية تحرير الموصل وعملية تحرير الرقة كعاصمتين لداعش في كل من سورية والعراق، سعياً لحصر إنجازات والانتصارات بالولايات المتحدة وحلفها الذي تقوده كحاجة ملحة لاستمرار هيبتها وفعاليتها أمام المجتمع الدولي، إضافة إلى المشاريع التي تسعى لتطبيقها من خلال ملئ الفراغ لمساحات داعش عن طريق قوات موالية لها تشغل هذه المساحات الجغرافية المحررة لغايات عديدة.

الأهداف الاستراتيجية الأمريكية في سورية:

1- نشر القواعد العسكرية الأمريكية في محيط سورية من الشرق إلى الجنوب إضافة إلى قواعد ارتكاز وإمداد متقدمة داخل سورية وذلك لتحقيق غايتين رئيستين:

• . ضمان البقاء في العمق البري ككيان معادي لدول حلف المقاومة ومن ثم استبداله بكيان جديد يحمل أهداف واشنطن في ركائز وجوده والعمل على استقلاله، ولدينا نموذج حي على هكذا استراتيجية (الكيان الاسرائيلي الغاصب).

• . تطويق التواجد الروسي في شرق المتوسط ومنعه من التغلغل في الشرق الأوسط كخطوة استباقية ضد أي مشروع روسي استراتيجي يهدف للوصول إلى مياه الخليج.

2- الفصل البري لسورية كحلقة وصل بين أطراف حلف المقاومة ضد الكيان الاسرائيلي والذي أفشله الجيش باستعادة المناطق مع الحدود اللبنانية مثل القصير والزبداني وأيضاً محاولات الالتفاف حول القوات الأمريكية المتواجدة في التنف لإعادة وصل العراق بسورية.

3- تهديد أركان الأمن القومي السوري من خلال وضع الأمن الطاقوي والأمن المائي والذي بدوره ينعكس على الأمن الغذائي للجمهورية، تحت مرمى النيران عن طريق اقتطاع مناطق غنية بالمياه العذبة والأنهار والتي تحتوي على مشاريع كهرومائية ضخمة إضافة إلى المناطق الخصبة التي تقوم عليا الزارعة في سورية والتي بدورها يقوم عليها أكثر من 65% من الاقتصاد السوري، بالتالي تحويل الدولة السورية لدولة عاجزة غير قادرة على تمويل أو دعم أي حركة خارجية وتكتفي بالغرق بالأزمات السياسية والعسكرية المتلاحقة إضافة إلى ضمان استمرار حالة عدم الرضا وعدم الاستقرار الشعبي.

ولكن السؤال هنا لماذا الاستهداف الأمريكي للأمن المائي بالتحديد؟

فعلياً الأمن المائي في الشرق الأوسط يعد من أهم مقومات قيام الدول وحتى بقائها أو استمرارها،والعديد من الدراسات أشارت إلى ذلك ليس آخرها الدراسة الصادرة حديثاً من جامعة ميامي الأمريكية والتي ترأسها الباحث سيواخ مختيريان والتي تشير إلى استمرار الجفاف وانخفاض المياه والأمطار بسرعة في منطقة الشرق الأوسط ولمدة زمنية طويلة تتعدى 7000عام على أقل تقدير، فالدولة التي تستطيع الاكتفاء مائياً وغذائياً هي دولة باقية ومستمرة،وهي دولة يصعب إرضاخها أو الإطاحة بها ضمن أساليب ووسائل القوة الناعمة، أو عن طريق الحروب المباشرة، وإنما تحتاج إلى تدخل عسكري يأخذ أشكالاً غير مباشرة لإرضاخها بالقوة الصلبة أو مايعرف في العلاقات الدولية بالقوة الخشنة، فكيف إذا كانت هذه الدولة هي الجمهورية العربية السورية التي تتشارك الحدود مع العدو الصهيوني، الابن المدلل للتحالف الغربي، والذي يعتبر استمرار وجوده الأولوية الأولى لدى واشنطن والعواصم الغربية الأخرى، وهو يتشارك أيضاً ذات الظروف المناخية القاسية في الشرق الأوسط ويقبع أمنه المائي تحت الخطر في العقود المقبلة، والمشكلة ليست الحدود وحدها من تشكل هذه الخطورة فقط، وإنما أيضاً الكثير من الموارد المائية المشتركة بين كل من سورية والكيان الاسرائيلي، ومنها ماتم سرقتها من قبل الكيان الاسرائيلي عنوة، ومنها ما هو على جدول استهدافه كحوض اليرموك!.

بالتالي الاستهداف الأمريكي للأمن المائي السوري هو استهداف على المدى الاستراتيجي البعيد لمنع قيام دولة مكتفية أو قادرة على الحفاظ على سيادتها المطلقة وفي ذات الوقت لتأمين متطلبات الامن المائي الاسرائيلي للحقبة القادمة كضمان لاستمرار وجود دولة اسرائيل وضمان عدم ارضاخها تحت أي ضغط ممكن، ففي حال زيادة التعداد السكاني للمستوطنين الصهيونيين ضمن الإمكانيات المائية الحالية للكيان السرائيلي سيشكل ضغطاً وجودياً كبيراً على استمرار هذا الكيان، أي أن هناك حاجة لزيادة الموارد المائية وتوسع مساحات وإنتاجية الزراعة، فكيف إذا كان الماء بالنسبة للقيادة الصهيونية يدخل في مشاريع أكبر وأوسع من ذلك بكثير منها، ما هو طاقوي، ومنها ما هو أخطر من ذلك كالجيوسياسي!!.

وما هو مصير الأمن المائي السوري والمناطق الجغرافية المعنية به تحت هذا الاستهداف الأمريكي، والذي لسوء الحظ تتوزع المياه فيها بشكل غير عادل داخل الأراصي سورية؟؟.

هذه الأسئلة وأسئلة هامة أخرى سنجيب عليها من خلال الأجزاء القادمة.

المصدر : مركز دراسات كاتيخون – صلاح النشواتي

ثلاثون عاما على استشهاد ناجي العلي آن الأوان لكشف الحقائق

 

 

عاطف سلامة ( فلسطين ) الأحد 23/7/2017 م ...

ثلاثون عاما على استشهاد ناجي العلي آن الأوان لكشف الحقائق ...

قدم ناجي العلي (1937-1987)الكثير، ليس للكاريكاتير الفلسطيني فحسب؛ بل للعربي والعالمي، فقد عبّر الفنان عن مخزون الذاكرة وتمسك بالموروث الثقافي ليضيء حقيقة ورثها عن أجداده وتوج بها رؤيته التاريخية، فرسوم ناجي الكاريكاتيرية تجمع بينها رؤية متكاملة، و"حنظلة" الشاهد (الختم) يجسد قيمة أخلاقية ثورية في الحياة اليومية، من خلال سعيه المستمر إلى احتلال مكانة غير المحايد في المشهد التراجيكوميدي، ومن ثم تعميمه على المتلقي.

للوهلة الأولى قد تبـدو المواقف والشخوص في كاريكاتير ناجي ساذجة وعفوية، إلا أنها تخضع دائما لبناء منطــقي عقلاني؛ قائم على حسابات دقيقة، قادر على إيصال الفكرة بطريقة استنتاجية، وهــذا القالب القائم على البساطة، يترك "للمتلقي" أن يجتهد ضمنه كما يشاء أن يقرأ ويفهم ما يشــاء، وأن يستــخلص الموقـــف وأن يحــل العقدة (اللغز) كما يشاء.

ناجي، من أقدم رسامي الكاريكاتير في العالم العربي، ومن أشهرهم في العصر الحديث ويعتبر الأب الروحي لهذا الفن. تميز بالنقد اللاذع ويعتبر من أهم الفنانين الذين عملوا على ريادة التغيّر السياسي باستخدام الفن.

حياة مضطربة

تعرض العلي للاعتقال بعد هجرته إلى المخيم حيث ألقت القوات الإسرائيلية القبض عليه بسبب أنشطته المعادية للاحتلال لكنه قضى أوقات اعتقاله بالرسم على جدران الزنزانة، كما اعتقلته قوات الجيش اللبناني أكثر من مرة ولم يكف عن الرسم على جدران السجن.

مقولة عرفت عن صاحب الشخصية الأبرز في تاريخ الكاريكاتير العربي والتي صارت رمزا للقضية الفلسطينية "حنظله": اللي بدو يكتب لفلسطين، واللي بدو يرسم لفلسطين، بدو يعرف حاله ميت"..

ناجي العلي ابن قرية الشجرة الواقعة بين طبريا والناصرة، والتي فارقها بعد النكبة الفلسطينية حيث توجهت عائلته إلى مخيم عين الحلوة جنوب لبنان، وكان عمره نحو 10 سنوات.

تعلم الابتدائية بمدارس لبنان، وانقطع عن التعليم النظامي بسبب الصعوبات التي واجهته، فانضم إلى مدرسة مهنية في مدينة طرابلس شمال لبنان لدراسة ميكانيكا السيارات، ثم التحق بالأكاديمية اللبنانية عام 1960 ودرس الرسم فيها لمدة عام.

تزوج من وداد صالح نصر من بلدة صفورية في فلسطين وأنجب منها أربعة أبناء هم خالد وأسامة وليال وجودي.

كان الأديب الصحفي غسان كنفاني قد شاهد ثلاثة أعمال من رسوم ناجي في زيارة له لمخيم عين الحلوة فنشر له أولى لوحاته وكانت عبارة عن خيمة تعلو قمتها يد تلوّح، ونشرت في مجلة "الحرية" العدد 88 في 25 أيلول 1961.

وعرف العلى بالنقد اللاذع فى رسوماته، واستمرت مسيرته الفنية نحو ثلاثين عاما. رسم خلالها قرابة أربعين ألف كاريكاتير، وكانت ريشته مشرطا يحاول استئصال كل الأورام الخبيثة في الجسم العربي، وتميزت رسومه بالجرأة والصراحة، وملامسة هموم الناس وتوجهات الشارع العربي.

بدأ العمل محرراً ورساماً ومخرجاً صحفياً في صحيفة "الطليعة" الكويتية عام 1963، ثم منذ عام 1969 إلى عام 1974 في جريدة "السياسة" الكويتية، ومنذ بداية عام 1974 في جريدة "السفير" اللبنانية حيث استمر في النشر فيها حتى عام 1983.

في عام 1983 غادر لبنان إلى الكويت مرة أخرى وعمل في جريدة "القبس" الكويتية التي بقي فيها حتى عام 1985 حيث طرد منها لأسباب هو يعلمها جيدا، فانتقل إلى لندن وعمل في جريدة "القبس الدولي" حتى يوم إطلاق النار عليه في لندن 22 يوليو/ تموز 1987 واستشهاده يوم 29 أغسطس/ آب من العام نفسه.

"الثمن المحتوم لنضال ناجي هو أنه كان يدرك أنه سيدفع الثمن في لحظة ما، ومع هذا لم يكن هناك ما يدل على خوفه من دفع الثمن "

في عام 1979 انتخب رئيسا لرابطة الكاريكاتير العربي، واختارته صحيفة "أساهي" اليابانية واحدا من أشهر عشرة رسامي كاريكاتير في العالم، ومنحه الاتحاد الدولي لناشري الصحف جائزة "قلم الحرية الذهبي" في عام 1988، وكان أول رسام كاريكاتير وأول عربي يحصل عليها.

رسومه اخترقت جدران الخوف التي أحاطت الأنظمة العربية بها شعوبَها، فرسم ساخرا من جميع الأنظمة، بما فيها منظمة التحرير الفلسطينية، وكان يدرك خطورة ذلك.

شخصيات ناجي الكاريكاتيرية

سخرت رسوم ناجي من القادة العرب وشرّحت السياسات الإسرائيلية، اختار العلي لرسومه شخصية "حنظلة" بمثابة التوقيع أو الختم، وفاطمة المرأة الفلسطينية التي ترفض التنازل والناقمة على الأنظمة العربية المتخاذلة بشأن فلسطين، وشخصية زوجها بالإضافة إلى شخصية الرجل السمين التي تمثل القيادات الفلسطينية والعربية وشخصية الجندي إسرائيلي، بالإضافة إلى الشخوص الثانوية في كاريكاتير ناجي العلي، وهي أم عبد الكادر وزوجها المقاول الكبير " عبد الكريم عبد القادر.

حنظلة.. الشاهد الشهيد

يقول ناجي العلي: "ولد حنظلة في العاشرة من عمره، وسيظل دائماً في العاشرة، ففي تلك السن غادرتُ الوطن، وحين يعود حنظلة سيكون بعد في العاشرة، ثم سيأخذ في الكبر بعد ذلك، قوانين الطبيعة المعروفة لا تنطبق عليه، إنه استثناء لأن فقدان الوطن استثناء، وستصبح الأمور طبيعيةً حين يعود للوطن، لقد رسمته خلافاً لبعض الرسامين الذين يقومون برسم أنفسهم ويأخذون موقع البطل في رسوماتهم، فالطفل يُمثل موقفاً رمزياً ليس بالنسبة لي فقط، بل بالنسبة لحالة جماعية تعيش مثلي وأعيش مثلها، قدمته للقراء وأسميته حنظلة كرمز للمرارة، في البداية قدمته كطفل فلسطيني لكنه مع تطور وعيه أصبح له أفق قومي ثم أفق كوني إنساني.

أما عن سبب إدارة ظهره للقراء فتلك قصة تُروى: في المراحل الأولى رسمتُه ملتقياً وجهاً لوجه مع الناس، وكان يحمل "الكلاشنكوف" وكان أيضاً دائم الحركة وفاعلاً وله دور حقيقي: يناقش باللغة العربية والإنجليزية، بل أكثر من ذلك فقد كان يلعب "الكاراتيه".

يغني الزجل ويصرخ ويؤذن ويهمس ويبشر بالثورة، وفي بعض الحالات النادرة، وأثناء انتفاضة الضفة الغربية وغزة، كان يحمل الحجارة ويرجم بها الأعداء، وأثناء خروج المقاومة الفلسطينية من بيروت كان يقبّل يد هذه المدينة الجريحة مثلما كان يقدم الزهور لها. كنت أحرض الناس، بعفوية الطفل الذي عقد يديه خلف ظهره، ولكن بعد حرب أكتوبر 1973 "كتفته" باكراً لأن المنطقة ستشهد عملية تطويع وتطبيع مبكرة قبل رحلة "السادات"، من هنا كان التعبير العفوي لتكتيف الطفل هو رفضه وعدم استعداده للمشاركة في هذه الحلول، وقد يعطى تفسيراً أن لهذا الطفل موقفاً سلبياً ينفي عنه دور الإيجابية، لكنني أقول: إنه عندما يرصد تحركات كل أعداء الأمة، ويكشف كافة المؤامرات التي تحاك ضدها، يبين كم لهذا الطفل من إسهامات إيجابية في الموقف ضد المؤامرة، وهذا هو المعنى الإيجابي، أريده مقاتلاً، مناضلاً، وحقيقة الطفل أنه منحاز للفقراء، لأنني أحمل موقفاً طبقياً، لذلك تأتي رسومي على هذا النحو، والمهم رسم الحالات والوقائع وليس رسم الرؤساء والزعماء.

إن "حنظلة" شاهد العصر الذي لا يموت، الشاهد الذي دخل الحياة عنوة ولن يغادرها أبداً، إنه الشاهد الأسطورة، وهذه هي الشخصية غير القابلة للموت، ولدت لتحيا، وتحدت لتستمر، "هذا المخلوق الذي ابتدعته لن ينتهي من بعدي، بالتأكيد، وربما لا أبالغ إذا قلت أني قد أستمر به بعد موتي"، هذا هو فهم ناجي العلي لـ : "حنظلة" ودوره في الأحداث من خلال رسوماته فــ "حنظلة" الذي انطلق حاملاً "كلاشينكوفاً" ثم عقد يديه مديراً ظهره ما بعد عام 1973، هو الوجه الأساسي لناجي العلي في قراءته السياسية للواقع العربي، وفي ترصده لهذا الواقع والإعلان عنه، ولربما تسنت لــ"حنظلة" فرصتان اثنتان كان خلالهما الحديث اليومي للشارع العربي و"بارومتر" تذبذب السياسة العربية. وهما الخطوة الأوضح التي قادها "انور السادات" باتجاه إسرائيل والصلح معها وفق اتفاقيات كامب ديفيد حيث أخذ "حنظلة" على عاتقه الوقوف بوجه هذا الماستر السياسي، والخطوة الثانية: هي دخول المفاوض الفلسطيني حلبة الصلح مع "إسرائيل والتراجع عن برنامج التحرير" وعلى هذا المفترق أحس "حنظلة" باقتراب الخطر، ليقف وحيدا على خط المواجهة، فظهرت في لوحات ناجي العلي رؤوس متعددة لـ "حنظلة" وظهرت في الرسومات المتأخرة لناجي العلي علامات النبوءة بحتمية الرصاصة الغادرة، فأطلق "حنظلة" ليصرخ معلناً صريحاً بأن كاتم الصوت يقترب من رأسه المدور.

وعندما سئل ناجي العلي عن موعد رؤية وجه حنظلة أجاب: "عندما تصبح الكرامة العربية غير مهددة، وعندما يسترد الإنسان العربي شعوره بحريته وإنسانيته".

رمز الهوية الفلسطينية

اسأل أي فلسطيني عن "حنظلة" سيخبرك بالتأكيد، اسأله منذ متى تعرفت إليه، غالبًا ستجد ملامح الحيرة بادية على وجهه،"حنظلة" الأيقونة الخالدة التي كان يوقع بها رسام الكاريكاتير الفلسطيني "ناجي العلي" تجاوزت كونها توقيعًا لرسامٍ أو أيقونة خالدة وأصبح "حنظلة" هوية تحدد فلسطينية المرء، حالها حال الكوفية الفلسطينية تمامًا، "حنظلة" لا يفارق الكثيرين، كونهم اختاروا أن يكون هو ومفتاح بيتهم في ميدالية واحدة، حتى لا ينسون هذا الصغير الذي يعطي الجميع ظهره للجميع، في انتظار انتصارٍ ما، كي يفك عقدة يديه ويستدير لنراه مجددًا.

فاطمة الصابرة المثابرة

المرأة كما الرجل حاضرة دائماً في رؤية ناجي المركزية للصراع بين الأمة العربية وأعدائها، فهي لا تغيب ضمن شخوص كاريكاتور ناجي في كافة المجالات وعلى مختلف الأصعدة، وهي ليست فاطمة العربية الفلسطينية فحسب، بل تتعدى ذلك عندما يصور ناجي الوطن أو الشعب أو الأرض أو المخيم.. إلخ.. بإمرأة.. فالمرأة هي فلسطين وهي مصر وهي لبنان وهي "عين الحلوة" و"صبرا" و"صور" و"صيدا" والجنوب والإنتفاضة في الأراضي العربية المحتلة، كل ذلك في الدالة على العطاء والخصب والحب والتضحية، هذه هي المرأة في فن ناجي العلي.. أما الشخصية الأساسية الثابتة للمرأة في رسوم ناجي العلي فهي "فاطمة" الفلسطينية المكافحة "فاطمة" العربية الصابرة المثابرة، ففاطمة ذات الإزار الطويل والمنديل والوجه المستدير الطيب والعينين السوداوين الشرقيتين، هي الرمز، رمز العربيات المناضلات بكافة أشكال النضال.

هي أولاً المرأة الولادة المعطاءة التي تشبه خصوبتها خصوبة الأرض وبعطاءها ترفد الوطن بالمناضلين والمبدعين، وهي أم الشهداء الذين سقطوا ولا زالوا يسقطون من أجل الوطن وهي ثانياً المرأة الصلبة كصلابة حجارة الوطن، لا تلين لها قناة أمام شظف العيش ومحنة التشرد، تتجول حافية القدمين وهي باسمة دامعة محتضنة طفلها الرضيع الذي ترضعه حب الوطن ممزوجاً بحنانها وحبها وسط أكوام الركام والدمار ووسط أزيز القذائف والرصاص ليكبر ويحمل البندقية ويتابع الطريق الذي سبقه إليه أبناؤها الآخرون.. إنها تزرع فلسطين في دمائه مع كل جرعه رضاعة ومع كل لمسة حنان وكل كلمة حب، تدفع زوجها وأولادها إلى متابعة التحرير والاستشهاد "فاطمة" لم تقف في فن ناجي العلي عند حدود المرأة الولادة والصلبة والمعطاءة، بل تعدت ذلك لتكون المشاركة في الحوار والموقف والشريكة في الموت والمصير، فهي بوصلة الأمان لزوجها "الرجل الطيب" في اقترابه وابتعاده من المسار الصحيح في الحكم على الأمور.

أدوار كثيرة ومتعددة ومختلفة لفاطمة في معظم لوحات ناجي العلي تختزل صبر ومعاناة المرأة الفلسطينية العربية المناضلة وعطاءها وصلابتها ووعيها وحضورها الدائم في مختلف المجالات ومشاركتها الإيجابية في الحوارات والمواقف.

وعلى العكس من "فاطمة" ذات القوام المتناسق والإزار الطويل والمنديل "فاطمة" البسيطة الطيبة الواعية والصلبة، نجد في الشخوص الثانوية في كاريكاتير ناجي العلي، "أم عبد الكادر" المقصود "أم عبد القادر" ولكن تخفف القاف إلى كاف وباللهجة الفلسطينية كما ورد على لسان شخوص كاريكاتير ناجي، زوجة المقاول الكبير "عبد الكريم عبد القادر"، تلك المرأة التي تصنف نفسها من سيدات المجتمع الراقي، فهي مبطونة متكرشة، لا تلبس المنديل وتقص شعرها وتصففه وفق الموضة وتلبس على الموضة "الميني جوب" والأحذية ذات الكعب العالي، وتتزين بالخواتم والعقود والاساور الذهبية وتشرب الخمر، وتدخن التبغ، وتهتم بالمظاهر وبإبراز صورتها، وتدعو صديقاتها في بيتها الفاخر لتناول "المناقيش"... فقط !!

ورد على لسانها في إحدى لوحات ناجي العلي هي "أم عبد الكادر" التي تسافر إلى باريس ولندن وأمركيا، ويدرس أولادها في سويسرا ولندن وأمريكا..

إنها النقيض تماماً "لفاطمة" في مختلف صورها، إنها رمز الجشع والطمع والانحلال والتفسخ، تمثل جوهر حياة المستغلين والمتسلقين والإنتهازيين الذين يعيشون في قصور فخمة، يلبسون الملابس الفاخرة، ويجمعون الذهب يحبون السهر والحفلات والرقص، ويدرسون أبناءهم في أمريكا.. لا علاقة لهم بالوطن ولا علاقة لهم بــ "الرجل الطيب"، ولا بــ "فاطمة" المكافحين المناضلين اللذين يقدمان أبناءهما شهداء من أجل الوطن الشهيد تلو الشهيد واقفين بشموخ حافيي القدمين أمام القصف والدمار يمسحان دمعة أو يلسمان جرحاً، هذا هو انحياز ناجي العلي في فنه.

ناجي العلي منحاز، يكمن انحيازه للجماهير الكادحة، للفقراء، للمناضلين، للشهداء للوطن، وفي رفضه للفساد السياسي والاجتماعي ولكافة مظاهر البذخ والترف.

الرجل الطيب.. انتماء ووفاء

اسميناه "الرجل الطيب" لأنه بلا اسم ثابت محدد، فمرة يدعى العم عباس ومرة أبو حسين ومرة أبو إلياس ومرة أبو جاسم ومرة أبو حمد ومرة مارون ومرة محمد.. إلخ.

إنه صورة واحدة وشخصية واحدة لأسماء عديدة من مختلف أنحاء الوطن العربي، شخصية تعلن انتماءها ووفاءها للوطن والشعب والأمة، وتمقت وتدين الطوائف والطائفية والمذهبية، تماماً كما ترفض الاعتراف بالحدود المصطنعة بين الأقطار الغربية وتتمنى زوالها لأنها تدفع من حريتها وكرامتها وحياتها بسبب هذه الحدود.

إنه الفلسطيني المشرد والمقهور والمناضل والمعتقل والمغدور والمقتول، وهو اللبناني المشرد في وطنه والفقير المكافح والقتيل، وهو المصري الكادح المحب لمصر والعروبة، وهو الخليجي والسوداني والعراقي والانتماء الوطني والوعي القومي.

هو القتيل مع أبناء المخيم في "صبرا" و"شاتيلا" نحو شاخصة ممنوع الوقوف.. وهو أيضاً أبو إلياس الذ ي رفض القتال مع الكتائب والجيش العميل في الشريط الحدودي في الجنوب.. وهو الفدائي المحتج على تعدد التنظيمات، إنه الشهيد في العديد من لوحات ناجي العلي الذي يتم اغتياله بسبب الشعارات الوطنية والقومية التي يكتبها ويصرخ بها، فمرة بالرصاص من الخلف، ومرة تحت المرساة الأمريكية التي تحطم الزورق المرموز به للخليج وتقتل "الرجل الطيب" الذي يظهر جزءاً من جثته بارزاً مع الحطام، ومرة بالقصف الصهيوني وأخرى بالاقتتال الداخلي بين الطوائف والأحزاب المتعددة في لبنان.

إنه رمز الصبر والصمود والنضال والأمل في العودة لدى شريحة اجتماعية واسعة من جماهير أمتنا العربية.

"الرجل الطيب" بشكله وصفاته وحياته وممارساته النقيض التام لــ "ابو باصم" ذلك المتكرش المبطون الذي يلبس ربطة العنق والطقم الغربي ويعيش في الفنادق الفخمة ويشرب السيجار ويحتسي الخمر، ويحاول الاتصال هاتفياً مع "فاطمة" في مخيم "برج البراجنة" من تونس، فيكون أبلغ رد منها إغلاق الخط في وجهه.

هو "أبو باصم" الجشع، الطماع، صاحب الأموال المتنقل بين الدول الأوروبية والولايات الأمريكية طالباً الاستجمام.

"أبو باصم" الذي لم تعرف معاناة "الرجل الطيب" وعذاباته طريقاً إليه.. إنه النموذج المنسلخ عن وطنيته وأهله وشعبه وقضيته، وهو الشريحة ذات المصالح الخاصة التي لا تتحقق إلا على حساب الوطن والمواطن، على حساب "حنظلة " و"فاطمة" و"الرجل الطيب".

المتكرش.. صفات غير آدمية

هي شخوص أساسية في كاريكاتير ناجي العلي، نجدها في مواقف متعددة لتعبر عن البعد الآخر غير الإيجابي في الموضوع المطروح، وهي شخصيات تمثل البعض السياسي والحاكم، والتاجر، والانتهازي، والمستغل "بكسر الغين".

ونجدها دائماً شخصيات مترهلة، متكرشة، متسطحة الملامح بلا رقبة ولا أقدام (على الأغلب)، غبية، خالية من معاني الادراك والوعي، جشعها يتضح في بطونها والدوائر التي تشكلها.

إنها رمز لكل ماهو متعفن في حياتنا العربية عموماً، ولعل ناجي العلي برسمه تلك الشخصيات على هذه الصورة بدون رقبة ولا أقدام، يريد أن يؤكد أنها شخصيات تنقصها ركائز الاستمرار لأنها شخصيات طارئة وزوالها محتوم كونها بلا جذور وبعيدة عن الأصالة الشعبية، وربما كان ذلك ماجعل ناجي يصورها في صور تكاد تكون غريبة عن الصفات الآدمية الحقيقية في محاولة منه لنفي إنسانيتها وإبراز مضمونها اللاانساني واللاأخلاقي.

وفي كل الحالات نجد تلك الشخصيات حاقدة على "حنظلة" و"الرجل الطيب" و"فاطمة" ومساومة عليهم وعلى حقوقهم جميعاً

شخصية الجندي الصهيوني..

جسد ناجي العلي شخصية الجندي الصهيوني بأنها شخصية قاسية ومهزوزة في نفس الوقت، لا تعرف الرحمة، غير مبالية، تلبس القبعة اليهودية، أو الزي العسكري، أو كلاهما، وعلى القبعة النجمة السداسية، شخصية تمتاز بطول الأنف، دائما مدججة بالسلاح، لكنها في أغلب الحالات تكون مرتبكة أمام حجارة الأطفال

ناجي العلي.. قوة الحياة والحق

ناجي العلي هو الفنان الذي كسب الرهان، لأنه راهن على الشعب، والشعب الذي ما زال في الميدان يبدع ويمضي ويقدم ويتقدم رغم الموت والسجون والجوع والاضطهاد، العلي فنان ساهم على قوة الحياة والحق، وفلسطين بالنسبة له هي الحق والحياة وروح الأمة وسؤالها، لذا اختار الصائب الصعب الفاجع، فنان تجاوز الحدود الموهومة بالخطوط التي ترسم الحدود الحرة، حدود الحرية بلا ضفاف، حرية الوطن.

أهم ما يميز الفنان ناجي العلي غزارة الإنتاج والقدرة الفائقة على متابعة الأحداث السياسية، وجرائم الاحتلال الصهيوني، والتقاط المفارقات وترجمتها إلى رسومات كاريكاتيرية بأسلوب بسيط وواضح بعيدا عن التعقيد، مركزا على الفكرة أكثر من الشكل. فرسومه دائما تخضع لبناء منطقي عقلاني؛ قائم على حسابات دقيقة، قادر على إيصال الفكرة بطريقة استنتاجيه، وهذا القالب القائم على البساطة، يترك "للمتلقي" أن يجتهد ضمنه كما يشاء، أن يقرأ ويفهم ما يشاء، وأن يستخلص الموقف وأن يحل العقدة (اللغز) كما يشاء. واستخدم ناجي العلي القضاء القاسي في رسوماته، وهما اللونين الأسود والأبيض، فاللون الأسود في معظم رسوماته احتل الخلفية القاتمة المعبرة عن القضاء المأساوي فهو بمثابة مقياس الزمن (المصيبة)، أما اللون الأبيض فهو المدى التعبيري لعفوية الالتصاق بالمكان غالباً؛ فكان ناجي يرتاح إلى تعبئة ثلثي المساحة باللون الأسود وإلى تركيز الفكرة الأساسية في الوسط؛ وتوزيع عناصر الحركة على الأطراف، ومن ناحية الرسم فقد أنتج ناجي خطاً تجسيدياً أكثر تعبيراً في منحاه الفني؛ لإيجاد الانسجام والتوافق في العلاقة بين الجزء والشكل؛ أي بين الخط في انسيابه ورقته وليونته والظلال في حركتها المتوترة.

مسيرة لا تعرف الخوف ولا تخشى الموت

في مسيرته الفنية يعكس ناجي العلي في لوحاته الفذة حقيقة معرفة المثقف الملتزم عدم قدرته على الانصياع لأي سلطة، ولذا نرى إبداعاته في حالة صدام دائم مع "السلطة" فالإبداع يندلع فقط في غياب القيود عليها، وعلى السلطة أن تقبل بهذه الحقيقة أو أن تصطدم بطليعة شعبها كما تجلى ذلك في نهاية ناجي العلي.

ناجي العلي رأى أن من أول واجباته الوطنية القومية نقد السلطة والأنظمة العربية، من دون ذكر أسماء تاركا للقارئ تحديد المقصود، وهجاؤهما بريشته السحرية على لسان كل من الطفل حنظلة الذي أبدعه في عام 1969 وصار ملازما لرسومه جميعها، والعربي الفقير الذي لا اسم له، القومي بامتياز، والمؤمن بعروبة بلاده.

كثيرة هي الموضوعات التي شكلت لناجي مادة دسمة للنقد بدءا من الساحة الفلسطينية بكل ما حوته من تناقضات الصدام مع الكيان الصهيوني، ومسار قيادتها للتسوية معه، إضافة إلى ممارساتها في كل أمكنة وجودها، من أخلاقيات العمل الوطني وغيره، وصولا إلى القضايا العربية، العلي كان صادقا، لأنه لم تكن لديه مسافة بين النظرية والممارسة!. كان دوما على خصام مع السلطة (مطلق سلطة)، فرفضها مرارا، واختار السير معاكسا عبر ريشته، التي تتهكم وتسخر من كل عقلية سياسية لا ترحب بالنقد، بل تمقته وتكرهه، وتجهد لقطع الأصابع التي تكتبه، وقص الألسن التي تنطق به.

لم يكن لناجي العلي أصدقاء في أي سلطة ذلك أنه لم يحاول إرضاءها أيا كانت، لذا نراه يتنقل في بلاد الله الواسعة وراء لقمة العيش، باحثا عن فضاء يتقبل فنه الكاريكاتيري الرفيع، ففن ناجي العلي، بحسب محمد الأسعد "يعيد المرء إلى وجوده، إلى معاشه اليومي وحياته، وينقذه من المصائد والخدع وكل أساليب الغش، وربما بسبب ذلك أثار غيظ السحرة والمشعوذين".

نعم، مات صحفيون ومثقفون اغتيالاً واعتقالاً، لكن اللوحة الكاريكاتيرية باتت أكثر مَدْعَاةً للتأمل من قراءة التعليق السياسي والتنظير الإنشائي في الصحافة العربية، وإذا كان الصحفيون أكثر صخباً في الضرب على صدورهم كلما أصابهم مكروه أو ظلم، فلا بد أيضاً من الاعتراف بأن زملاءهم الرسامين تعرضوا صامتين أيضاً للطرد والمنع والملاحقة، بل مات أبرزهم اغتيالاً.

الواقع أن ناجي العلي بلغ في الجرأة حد المغالاة في التعبير الكاريكاتيري عن آيديولوجيا شمولية كان من السهل عليها "تخوين" كل من يقف على الرصيف المضاد لها.

محاولات إصدار مطبوعة خاصة بالكاريكاتير

أدرك ناجي بحسه السياسي المرهف الحاجة إلى إصدار صحيفة أو مجلة كاريكاتيرية عربية، وقد فاتح زميله "بهجاتوس" وهو "فنان الكاريكاتير المصري الشهير بهجت عثمان" كما غيره، في أمر إصدارها في لندن.

بهجاتوس كان يعرف ناجي جيدا، ويعلم كم هو قاس وساخر، ولا يعترف بشيء بالخطوط الحمراء.

قال بهجت: "أصبحت أوضاعنا أكثر إضحاكاً من قدرتنا على التعبير عنها، انه ضحك كالبكاء،

حتى الكاريكاتير عاجز عن مواكبة ما يجري".

وربما لهذا العجز رفض "بهجاتوس" مشاركة "حنظلة"، وربما كان الرفض أيضاً لخوفه من تشدد ناجي وسخريته السوداء، فلم ير مشروع ناجي النور بعد هروب بهجت عثمان وتهرب غيره..

ريشة ناجي العلي بسيطة، لكنها معبرة عن نفسية رسام كان مسيساً من النخاع إلى قدمي حنظلة العاريتين. والسواد الصامت في لوحاته ينطوي على يأس يوحي بالتشاؤم بقدر ما يثير من سخرية وحقد على العجز العربي.

ناجي العلي ظاهرة فريدة في الكاريكاتير العربي، ولا شك انه ترك وراءه مدرسة لها روادها وأساتذتها. وعلي فرزات استمرار لناجي العلي في السخرية السوداء الصامتة وفي حركة الريشة، لكن فرزات يعرف حدود المحظور والممنوع، تلك المعرفة التي سمحت له بإصدار صحيفة كاريكاتيرية أسبوعية (الدومري)، وهو ما أخفق فيه ناجي.

من هنا، فهذا الوارث لريشة ناجي العلي لا يخرج عن الدائرة التي تتكرر فيها لوحاته عن الفساد والبيروقراطية ونقد الخطاب السياسي الإنشائي. لكن لوحات فرزات لا تحجب الإعجاب الكبير برسام هو أيضاً ينطوي على خيال واسع وفهم سياسي عميق.

غسان كنفاني وناجي العلي حديث اللقاء الأول

في العام 1962 كان في مخيم عين الحلوة الفلسطيني الواقع في جنوب لبنان احتفال شعبي، حضرته مجموعة من القيادات الفلسطينية في لبنان. وكان على رأسهم غسان كنفاني، أثناء زيارة غسان كنفاني معرض الرسومات (وهو قسم خاص أقيم في خيمة مهترئة)، كان في استقباله ناجي العلي الذي كان مشرفاً على المعرض باعتباره أستاذاً لرسم الأطفال. وجال كنفاني جولة قصيرة، وتحمس كثيراً لكل ما هو معروض، ووجد في هذه الرسومات التي تنادي معظمها بالثأر، أرضاً خصبة لحركة القوميين العرب التي كان ينتمي إليها. وتوقف طويلاً أمام لوحة ملفتة متميزة، كانت تمثل خيمة على شكل هرم ترتفع من رأسه قبضة تطالب بالثأر والتصميم والنصر. وكان الثأر أحد الشعارات الرئيسية لـ «حركة القوميين العرب»: وحدة، تحرر، ثأر، فابتهج كنفاني، وسأل ناجياً عن صاحب هذه اللوحة، فقال له: أنا. فحيا كنفاني العلي وسلّم عليه، وشدّ على يده، وأثنى عليه، وأبدى حماساً شديداً للوحة، وهو يبتسم ابتسامة الرضا والابتهاج. وأحب أن يتحاور معه فسأله: شو إللي خلاك ترسم الخيمة على شكل هرم.. يعني شو علاقة الخيمة بالهرم؟

فردّ العلي وهو يشير بيديه مستعيناً بهما على شرح ما سيقول: فيه علاقات مش بس علاقة واحدة. شوف يا سيدي.. أولاً إحنا الفلسطينيين منتميّز بالخيمة زي ما المصريين بيتميزوا بالهرم. يعني لما تقول خيمة بتقول فلسطين، ولما بتقول هرم بتقول مصر.. يعني هما خِتْمهم الهرم وإحنا خِتْمنا الخيمة.. مزبوط هيك؟

وهزّ كنفاني رأسه علامة القبول، وتابع العلي يقول: ثانياً، الهرم والخيمة مكان للسكنى إلهم وإلنا.. بس هُمه بيسكنوها في موت الحياة يعني علامة للخلود، وإحنا بنسكنها في حياة الموت يعني علامة الإصرار على العودة، وللخلود كمان، وحتى تظل قضيتنا حمرة متل الجمرة ويوم ما إنضُبْ هالخيمة ونلفها، منضُبْ فلسطين وبنلفها كمان، صح هيك ولا لأ؟

غسان: هاي فلسفة كبيرة يا ناجي، منين جبتها؟

فردّ العلي وهو يهتز ابتهاجاً والله من هالدنيا.. هالدنيا علّمتنا إشيا كثيرة. هوه قليل اللي شفناه واللي خبرناه؟ عليم الله يا زلمة اللي شفناه بيعلّم العالم كله، مش بس إحنا!

وكان كنفاني يضع ذقنه في راحته اليمنى، ويغطي فمه بباقي يده، وينصت بانتباه، وقد وقف وقفة نخلة مائلة، ووقف أمامه العلي مقوّس الظهر، والتفّ حولهما رجال وبنات وأطفال من المخيم ومجموعة من المشاركين برسوماتهم ذوي سحنات محفورة بعذاب الشتات.

وتابع العلي كلامه بثقة: ثالثاً: العلاقة بين الهرم والمخيم، يعني ختمنا وختمهم، جاية من إنو مفيش تحرير لفلسطين بدون مصر، يعني بصراحة.. لا نصر من دون مصر!

فرد عليه كنفاني بابتهاج شديد وفرح غامر، وقد مال بجسمه أكثر ناحية العلي، وكأنه يود أن يهمس في أذنه: وبشوفك سياسي كمان؟

ناجي: ما قلنالك يا زلمة، هالدنيا علمتنا كل إشي. عليم الله هاذا المخيم لحاله فيه عِلْم أكثر من الجامعة الأمريكية اللي بيحكوا عنها ببيروت!

وضحكوا جميعاً، ثم تابع العلي يقول مبتهجاً وبحماس بالغ: بعدين يا أستاذ، العلاقة بين الخيمة والهرم إنهم مش ممكن يكونوا إلا في الخلا.. وواضحين تحت السما مباشرة، متل الشجر، هلاّ قول لي، في حدا بيبني خيمة جوّه بيت، ولا هرم جوه بيت، ولا بيزرع شجرة تحت سقيفة؟

ردّ كنفاني بحبور غامر: وبعدين معاك.. إنت ما خليت إلنا إشي نقوله، على مهلك يا زلمة، خلينا نحكي شوي!

وردّ العلي باسماً وعيناه تلتمعان بوهج الحقيقة: واحدة وبس.. ما إنت إللي سألت يا عمي،

وبدنا نجاوبك ع المزبوط! وصمت برهة، وأخذ نفساً وقال بحزم: العلاقة الأخيرة، هي العلاقة بين حجر الهرم وقماش الخيمة!

ولم يفهم كنفاني قصد العلي، فسأله باستحياء وبصوت خافت: شو يعني.. مش فاهم؟

فرد العلي بثقة، وكأنه يختم على وثيقة أمامه: ما بيرجّع فلسطين غير هالحجر! وصَفَق قبضة يده اليمنى ببطن راحته اليسرى علامة الختم، وانحنى، والتقط حجراً من أرض الخيمة، وقال بجدّ وهو يشدّ عضلات وجهه، ويقطب جبينه: وما بيطلع هالحجر إلا من هالخيمة.. لا من قصور ولا من علالي، وسلامة تسلمك! وصفّق له كل من سمعه وكان حوله، وهتفوا بحياة فلسطين والحجر.

وتعانق كنفاني والعلي، وتبادلا الأنفاس، وبديا من الخلف وكأنهما ظهر واحد وكتف واحد.

كان الأديب الصحفي غسان كنفاني قد شاهد ثلاثة أعمال من رسوم ناجي أثناء الزيارة فنشر له أولى لوحاته وكانت عبارة عن خيمة تعلو قمتها يد تلوّح، ونشرت في مجلة "الحرية" العدد 88 في 25 أيلول 1962.

جورج حبش لم يسلم من ريشة ناجي العلي

أنشئت منظمة التحرير الفلسطينية عام 1964، وبعد أشهر انطلقت الثورة الفلسطينية المعاصرة.

أدرك ناجي "القومي" أن ولادة المنظمة ليس إلا صك براءة لذمة الأنظمة العربية كي تتخلى عن مسؤولياتها تجاه ضياع فلسطين.. فبدأ الخلاف، وفي الوقت الذي لم يكن أبدا محميا من أحد، لا من حزب ولا من سلطة أو حتى أي قيادة، علما بأنه كان مقربا من فكر الجبهة الشعبية، إلا أن هذا القرب لم يمنحها صك غفران، فتناولها في رسومه بسخريته اللاذعة، فقد رسم أكثر من لوحة انتقد فيها الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وفي إحداها رسم عيادة وكتب فوقها "عيادة الجبهة الشعبية للأمراض التنازلية" وكتب أسفلها "اسأل مجرب ولا تسأل حكيم" وكان هذا بمثابة هجوم مباشر على الأمين العام جورج حبش، فغضب "الحكيم" واتصل به معاتبا وقال له :"هلكتنا يا ناجي" أجابه ناجي "أنت اللي عملت بحالك هيك" بهجومه كان يصرخ بالجميع ليقول لهم إلى أين انتم ذاهبون؟!

محمود درويش وناجي العلي "أنت تكتب وأنا أرسم"

يقول الشاعر الكبير محمود درويش: خطرت لناجي خاطرة، فقال: تعال نعمل معا… أنت تكتب وأنا ارسم، وكنا صديقين دون أن نلتقي كثيرا، لا اعرف عنوانه ولا يعرف عنواني… تكلمنا مرة واحدة حين امتنعت جريدته عن نشر إحدى مقالاتي التي أدافع فيها عن نفسي أمام هجمات إحدى المجلات، قال: سأدافع عن حقك في التعبير وسأتخذ موقفا… قلت له اهدأ، وكنت اكتب.. وكان يرسم… جميع الذين عملوا معه كانوا يقولون انه أصبح جامحا وان النار المشتعلة فيه تلتهم كل شيء، لان قلبه على ريشته ولان ريشته سريعة الانفعال والاشتعال لا تعرف لأي شيء حسابا، ولأنه يحس بأن فلسطين ملكيته الخاصة التي لا يحق لأحد أن يجتهد في تفسير ديانتها، فهي لن تعود بالتقسيط، لن تعود إلا مرة واحدة، مرة واحدة من النهر إلى البحر، وإلا لن يغفر لأحد، وأعلن الخلاف مع الجميع وخدش الجميع بريشة لا ترحم ولا تصغي للأصدقاء الذين قالوا له: "يا ناجي لا تجرح روحك إلى هذا الحد، فالروح جريح" وكان الأعداء يسترقون السمع إلى هذا الخلاف وكانوا يضعون الرصاصة في المسدس، كانوا يصطادون الفرصة.

ناجي العلي والمبعوث الأمريكي فليب حبيب

في سنة 1982 إبان الاجتياح الإسرائيلي للبنان كان المبعوث الأمريكي فيليب جيب يقوم بـــ(جولات مكوكية) في المنطقة، وكان ناجي العلي يرد على جولاته المكوكية العقيمة برسومات مكوكية يُصوِّره فيها بشكلٍ بشع! وفي لقاء للمبعوث الأمريكي مع بعض الصحفيين قال لهم: "أقنعوا ناجي العلي أن يرسمني بشكل ألطف.. فأنا لستُ قبيحاً لهذه الدرجة!"

فرد عليه أحد الحاضرين: "أسهل عليك إخراج إسرائيل من لبنان من إقناع ناجي بتغيير رأيه فيك!"

إنه هذا الثبات الذي أكسب ناجي العلي أعداءً كثيرين، لم يكونوا يستطيعون شراءه، أو مفاوضته، أو رشوته بالمزاح، هذا الثبات نفسه الذي قلب الكثير من الأصدقاء إلى أعداء... وهو هذا الثبات نفسه الذي جعل ناجي العلي هدفاً واضحاً لكل أولئك الأعداء...

بداية التحدى الكبير

بعد طرده من الكويت وصل ناجي العلى إلى لندن فى أواخر عام 1985 ليعمل فى "القبس الدولى" كما تم الاتفاق بينه وبين رئيس التحرير محمد الصقر، تركزت رسوماته على المحاور نفسها التى كانت تتركز عليها أثناء تواجده فى الكويت ولكن بشراسة أكثر وبتحد أكبر، وكان يرسم كل صباح باستماتة من يرسم اللوحة الأخيرة، ويكتب فيها وصيته.

وبدأ يركز أكثر فأكثر على أخطاء منظمة التحرير الفلسطينية وتصرفاتها المالية والإدارية والسياسية وتطلعاتها نحو الحل السياسي ويتصيدها باستمرار.

محمود درويش وناجي العلي "حوار ساخن"

وقع الخلاف الأكبر والمتوقع بين الرسام الذي فضل الانحياز للفقراء والشارع، وبين الشاعر الكبير الذي فضل الانحياز إلى فتح آفاق السلام.

فقد كتب محمود درويش مشجعا الرئيس الراحل ياسر عرفات على التفاوض: "لأنه هو الممكن الوحيد للتفاوض مع المستحيل" وذلك فى افتتاحية "الكرمل" عدد 10، 1983. رسم ناجي العلى لوحة تنتقد درويش تحت عنوان "درويش خيبتنا الأخيرة".

الكلام المكتوب فى الكاريكاتير: حنضلة يقرأ عنوان الجريدة: محمود درويش يدعو إلى لقاء للشعراء والادباء الاسرائيليين والفلسطينيين

الرجل الطيب الاول يقول: لا يحق للشاعر ما لا يحق لغيرة

الرجل الطيب الثاني يقول: محمود ثم بكلمة كبيرة درويش

الرجل الطيب الثالث يقول: محمود خيبتنا الاخيرة

الرجل الطيب الرابع يقول: بعد ما صار عضو لجنة تنفيسية

نشر الكاريكاتير فى جريدة القبس بتاريخ 15/6/1987.

اتصل بعدها مباشرة درويش بالعلى تليفونيا وهدده، وفضح العلى تفاصيل المكالمة الهاتفية فى حديث مع مجلة "الأزمنة العربية"، فبعد حوار ودى قصير وصل سريعا إلى ما هو متوقع منه قال درويش (مهددا) آه.. بس إنت مش قدى يا ناجى..!

العلى: شو يعنى.. مش فاهم.. الشغلة صارت قدود.. قدك وقد غيرك.. والله أنا لما برسم ما بحسب قد لحدا.. وانت عارف يا محمود..؟!

درويش (بعصبية): بقلك يا ناجى انت مش قدى.. إفهمها..!

العلى (مدعيا عدم الفهم): والله ما انا فاهم إشى.. بطلت أفهم اشى هاليومين.. أسلاكى ضربت.. وصار عندى شورت.. شو يعنى فسر..؟!

درويش (متحديا) إنت بتعرف أنا مين..؟!

العلى: محمود درويش الشاعر على سن ورمح.

درويش (بانفعال): وغير هيك..؟!

العلى (بلا مبالاة): ما بعرف.. (مستدركا) ليش فى إشي جديد هاليومين.. ليكون صرت قائد جيش يا محمود.. وإحنا ما معانا خبر..؟!

درويش (بتحد): هلا مش وقت مزح.. بدى ياك تفهم يا ناجى منيح اليوم.. إنى.. أنا محمود درويش.. اللى قادر يخرجك من لندن فى أية لحظة...!

أووف… والله هاي جديدة يا زلمة.. بالله عليك بتعملها يا محمود؟ وشو هالسطات اللي صارت عندك.. والله أبو رسول (الاسم الحركي لمدير المخابرات الأردنية الأسبق محمد رسول الكيلاني) بزمانه ما قال هالحكي.. ولا صلاح نصر قبله (..) على كل حال انتو يا عمي السلطة.. انتو الدولة والشيلة (..) هاي مش أول مرة بتصير ولا آخر مرة.. بعدين هالشغلة صارت مش فارقة معي هالخد صار معود عاللطم.

هذه المقتطفات من حوار تليفوني جرى بين "ناجي العلي" رسام الكاريكاتير الفلسطيني المعروف أثناء وجوده في العاصمة البريطانية، و"محمود درويش" الشاعر الفلسطيني الأشهر المقيم آنذاك في باريس، وقد روى العلي ملخص الحوار مع درويش في حوار نشرته مجلة الأزمنة العربية (عدد 170/1986/ص14) وجاء هذا الحوار عقب رسم كاريكاتيري للعلي انتقد فيه درويش الذي دعا إلى مد الجسور مع اليسار الإسرائيلي.

الخطر يقترب..

كان ناجي يدرك جيدا الثمن المحتوم، وعرف أنه سيدفعه عاجلا أم آجلا.. في لحظة ما، ومع هذا لم يكن هناك ما يدل على خوفه من دفع الثمن "

فرسومه ازدادت شراسة وسخرية، بل واخترقت المحظور وكل جدران الخوف التي أحاطت الأنظمة العربية فقد كان يخاطب شعوبَها، فرسم ساخرا من جميع الأنظمة، بما فيها منظمة التحرير الفلسطينية، وكذلك (إسرائيل) وكان يدرك أن الخطر يقترب.

وكانت ريشته مشرطا يحاول استئصال كل الأورام الخبيثة في الجسم العربي، وتميزت في تلك الفترة بالجرأة والصراحة أكثر، وأصبحت ملامسة لهموم الناس أكثر وتوجهات الشارع العربي أكثر وأكثر.

لا لكاتم الصوت؟!

قال ناجي: "حاولوا أن يجعلوني "رسام القبيلة"، مع هذا النظام ضد ذاك.. ولكن كيف أقبل و"حنظلة " معي دائماً؟ إنه رقيب لا تتصور مدى قسوته، إنه يعلم ما بداخلي، وهو يراقب هذا الداخل كحد السكين، فإذا أردت أن أستريح لكزني، وإذا فكرت في الرفاهية وحسابات البنوك ذكرني بنفسي، بأصلي وبناسي وأهلي وشعبي..

وحين حذروه من تجاوز الخطوط الحمراء.

استفز وقال: "بلا خطوط حمر... بلا خضر... بلا(.. ) شو بدهم؟ يطخوني؟! ولك شو بتسوى هالعيشة؟! ولك لوين رايحين فينا؟!

وقرر أن يتجاوز كل الخطوط مرة تلو الأخرى، ويدخل في تجسيد المحظورات، فبدأ في استشراف مستقبله أولا..

وهكذا فقد دخل فى مواجهة جديدة مع السلطات العليا، فقد كانت هناك كاتبة قصة مصرية تدعى رشيدة مهران ولم تكن معروفة لا فى مصر ولا فى الأوساط الفلسطينية(..) وبهذا قرر تجاوز المحظور.

الرسم الذي كلف ناجي حياته

الأول يسأل الثاني: بتعرف رشيدة مهران؟ الثاني يرد: لا..!، الأول يسأله: سامع فيها ؟ الثاني يجيب: لا..! الأول يقول للثاني: ما بتعرف رشيدة مهران ولا سامع فيها وكيف صرت عضو بالأمانة العامة للكتاب الصحفيين الفلسطينيين؟ لكان مين اللي داعمك بهالمنظمة يا أخو الشليته؟

نشرت جريدة الأوبزيرفر اللندنية الشهيرة (The Observer) هذا الكاريكاتير للشهيد ناجى العلى تحت عنوان: "النكتة التي كلفت الرسام حياته" وذلك بعد اغتياله في لندن في تموز يوليو1987.

حادثة الاغتيال

في 22 يوليو 1987، أطلق شاب مجهول النار على ناجي العلي في لندن فأصابه تحت عينه اليمنى، ومكث في غيبوبة حتى وفاته في 29 أغسطس 1987.

دفن الشهيد ناجي العلي في مقبرة بروك وود الإسلامية في لندن وقبره يحمل الرقم 230190 وهو القبر الوحيد الذي لا يحمل شاهد ولكن يرتفع فوقه العلم الفلسطيني. وللإجابة على السؤال الأساسي والذي لن يموت أبدا هو.. من قتل ناجى العلى..؟!

"قاتل ناجي العلي"

يكتنف الغموض اغتيال رسام الكاريكاتير الفلسطيني ناجي العلي، ولم تعرف الجهة التي كانت وراء الاغتيال على وجه القطع، ففي اغتياله هناك جهات مسئولة مسؤولية مباشرة، الأولى الموساد الإسرائيلي والثانية أنظمة عربية كونه رسم بعض الرسومات التي تمس القيادات آنذاك وتتهكم على المواقف العربية، والثالثة المخابرات العراقية، إلا أن ما اتفق عليه الجميع أن رأسه كان مطلوبا من كل هؤلاء وأكثر

وتردد أن قضية اغتياله انتهت بفرضية تصفية بعض الأنظمة له، بسبب انتقاده اللاذع لهم، حيث أطلق شاب مجهول النار على ناجي العلي، وبحسب ما أسفرت عنه التحقيقات البريطانية يدعى "بشار سمارة"..

وهو الاسم الحركي لبشار الذي كان منتسبا إلى منظمة التحرير الفلسطينية، ولكنه كان موظفا لدى جهاز الموساد الإسرائيلي، فاستغل فرصة خلافة مع المنظمة كي يحملها المسئولية؛ وتمت عملية التصفية برصاصة واحدة في لندن بتاريخ 22 يوليو عام 1987م، فأصابه تحت عينه اليمنى، ومكث في غيبوبة حتى وفاته في 29 أغسطس 1987، ودفن في لندن.

اختفاء المحقق

لم يستطع "شرلوك هولمز" إلى الآن حل لغز اغتيال الرسام ناجي العلي الذي سقط على رصيف شارع في لندن في عام 1987. وآثر المحقق الانجليزي الشهير أن يتوارى وراء الضباب تاركاً سيف الاتهام متراوحاً فوق رأس "الموساد" و... رؤوس عربية.

نماذج من لوحات الفنان ناجي العلي

يشير ناجي العلي في إحدى رسوماته كيف سيكون حال الفلسطينيين بعد الحكم الذاتي، فهذه إحدى أهم اللوحات التي تنبأ وقرأ ناجي العلي بما ستؤدي إليه أوضاع الفلسطينيين في استشراف منه للمستقبل، حيث قسم اللوحة إلى جزأين، في القسم الأول يقترب الفلسطيني من دخول باب مكتوب عليه الحكم الذاتي، فيما يفتح الباب في القسم الثاني من اللوحة ليتفاجأ بالمستوطنات التي جسدها الفنان بحائط مبني يغلق الباب مباشرة.

يريد العلي هنا أن يقول حتى الحكم الذاتي لن تنالوه أيها الفلسطينيون، قفوا وفكروا قبل التوقيع على أي اتفاق أو معاهدة سلام مع الصهاينة الذين لا أمن ولا أمان لهم.

وفي لوحة أخرى يوضح العلي كيف يقوم المستوطنون ببناء المستوطنات ويقتلعون الإنسان الفلسطيني من أرضه، فيما يستمر الفلسطيني في التصدي لجرائم الاحتلال الصهيوني

ويقوم بزراعة الشجر حتى وهو يُقتلع من الأرض، كناية عن الصمود الاسطوري الذي يتمتع به الفلسطيني ومدى تشبثه بأرضه، وفي لوحة أخرى يوضح كيف يتم بناء المستوطنات بمساعدة العرب والمتكرشين.

إن ما يدور اليوم من حفريات تحت المسجد الأقصى وقبة الصخرة وهدم جدار المدينة المقدسة، يجسده العلي في لوحة توضح كيف يخرج الصهيوني من قلب قبة الصخرة المشرفة بعد أن تكسرت وهو يرفع العلم الإسرائيلي، في إشارة إلى عمليات تهويد المدينة المقدسة

وعن الكفاح المسلح للشعب الفلسطيني، والعمل الفدائي، فقد جسد الشهيد ناجي العلي جندي صهيوني وهو مقتول بفعل المقاومة التي تركت بصماتها على ظهره وهي عبارة عن خطوات لأرجـل فدائي فلسطينـي مر من فـوق جثة الصهيوني المقتول، فيما يشير جندي للجثة ويشرح لزميله بأن البصمات الفلسطينية واضحة، فهم من نفذوا عملية التصفية.

وحول قضية الأسرى وما يقوم به الصهاينة من اعتقالات للمناضلين الفلسطينيين فقد جسد الفنان ناجي العلي الفلسطيني المناضل وهو ملقى في زنزانة صغيرة، ويطل عليه الجندي الصهيوني في إشارة إلى الشماتة من المقاومة وأن مصيرها سيكون مثل هذه الزنازين، فيما يحاول العصفور الذي جسده ناجي العلي ضمن لوحته، يحاول أن ينقر القضبان ليعمل فجوة يستطيع من خلالها المناضل الفلسطيني الخروج من الزنزانة، في إشارة إلى أن السجن للرجال ولن يبقى فيه المناضلون إلى الأبد، فالحرية قادمة، وهي بمثابة دعوى للجميع بأن يناضلوا ومهما ضعف الكفاح المسلح فإنه بالتأكيد سيحقق نتيجة فالفرج قادم للأسرى والمعتقلين مهما طال الزمن أو قصر. وفي لوحة أخري تجده يهز جدران المعتقل ويقول: علي وعلى أعدائي.

وفي لوحة أخرى يجسد الزنزانة وقد كتب عليها "الحرية للمعتقلين السياسيين في سجون اسرائيل والعالم العربي"

ورسم في لوحة أخرى كيف يهدي حنظلة وردة لأسير فلسطيني فتكبر شيئا فشيئا لتحطم الحائط ويستطيع المناضل تحطيم السجن والسجان والخروج للحرية.

وفي لوحة أخرى وفي معالجة لقضية اللاجئين، يجسد ناجي العلي الفلسطيني وهو يفتح قميصه ليُرى المشاهد أسماء جميع المخيمات الفلسطينية في الشتات وهي منقوشة على قميصه فيما مكتوب على صدره لا صلح لا مفاوضات لا اعتراف والتوقيع للاجئين 1948، وهي بمثابة رسالة للجميع بأن يأخذوا رأي اللاجئين في أي مباحثات مع الصهاينة، فموقفهم واضح جدا وهو إما كل فلسطين أو لا.

وفي لوحة أخرى يجسد نظرة ثاقبة لفلسطينية وهي تلبس قرطا على شكل قنبلة والشمس ساطعة مكتوب عليها "عائدون"، وفي لوحة أخرى يفتح الفلسطيني الطيب ستارة الشباك ويقول: صباح الخير يا وطني، في اشارة لكل مدن الوطن العربي التي كتبها الفنان بدءا من الشارقة وليس انتهاء بعكا ودرعا والمنامة.

فيما يوضح الفنان العلي في لوحة أخرى أن الانتفاضات ستتوالى، فقد جسد انتفاضة الضفة الغربية، حيث تقوم سيدة فلسطينية بضرب الجندي الصهيوني وطرده من المكان، فيما الأنظمة المستسلمة متواجدة على أرض الواقع ولكنها على شكل بصمات بالأرجل ما يعني موافقة الأنظمة على ما تقترفه إسرائيل بحق الشعب الفلسطيني من جرائم. واعتداءات على جميع شرائح المجتمع بما فيها الأطفال والنساء.

ناجي العلي والمسيح الثائر

لم يتوان ناجي في فضح جرائم الاحتلال، مع أنه لم يفرق بين الأديان وبين المواطن الفلسطيني وآخيه من الديانات الأخرى، فكان دائما مشدوها إلى الوحدة، فظهرت المسيحية الكفاحية في رسومه بأجمل ما يمكن أن تخطه يد فنان مستلهماً ذلك الجمال من وعيه الذاتي، وهو ما يعطي تفسيراً للوحة التي اتضحت فيها فلسطينية المسيح الثائر والكنيسة المقاومة، فجسد المسيح الفلسطيني وهو ملثم بكوفية فلسطينية، فيما الكنيسة "المرأة الفلسطينية" يعلوها لفظ الجلالة وتزدان وجنتاها باسم النبي محمد "صلعم" والمسيح ابن مريم "عليه السلام" وهي تؤكد تمسكها بكل فلسطين وعدم الرضي بأي وطن بديل.

حين سؤل ناجي عن موطنه، قال: "اسمي ناجي العلي، ولدت حيث ولد المسيح بين طبريا والناصرة في قرية الشجرة بالجليل الشمالي، أخرجوني من هناك بعد 10 سنوات في عام 1948.. (..)..الخ

لذا جاء استخدم ناجي العلي لبيت لحم والمسيح في رسوماته فقد التقى ناجي في فنّه مع هذا الفهم الذي يعيد المسيحية إلى جذورها ومعناها الثوري، دلاله ضد الظلم ومن أجل الوطنية الفلسطينية وحرية الإنسان الفلسطيني "المسيحي والمسلم على حد سواء.

أراد ناجي أن يذكر أن ملاعب طفولته بين الجليل وطبريا هي ذاتها ملاعب طفولة المسيح، علاقته الطبيعية بالأرض وقربه من الناس حلّا له كثيراً من العقد التي يعاني منها من يتورطون مع الأفكار المجرّدة، وما ورود بيت لحم والمسيح في رسومات ناجي إلا لعلاقته وارتباطه بالأرض وبتحدره من قرية الشجرة المختلطة التي جمعت المسيحي والمسلم كجيران متآخين تسود بينهم المجبة والطمأنينة

ولعل ناجي هو أول من رسّخ صورة المسيح فلسطينياً بما لفنّه من طاقة إيصال جماهيرية، فقد عانق ناجي المسيح معانقة الطفل لجدّه، ومن خلال مجموعة من رسوماته ردّ المسيح إلى مسالكه الشرقية، بفهمه المسيحية باعتبارها في الأساس ثورة مشاعية، انطلقت من أرضنا، من فلسطين وتحديدا من مدينة بيت لحم إلى العالم.

ومما يدعو إلى مزيد من الإعجاب أن مسيحية ناجي العلي الأصيلة الثورية الواسعة (وهو ابن العائلة المسلمة) لم تخدشها عنصرية محيطٍ كان مسيحياً بالمعنى الطائفي في سنوات اللجوء بلبنان.

فقد تجاوز وعي ناجي العلي زمنَ الميليشيات "المسيحية" آنذاك، الفاقدة لأي صواب، والتي عرف أذاها مثل باقي اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، العنصرية اللبنانية الموصوفة (والتي مهّدت لمذابح واضطهاد ضد اللاجئين الفلسطينيين)، كل هذا لم يسلب ناجي ذرّة من صوابه السياسي والإنساني، لم ينجر إلى العنصرية والطائفية، بل حاربها بالكاريكاتير وبالسخرية وفضح بؤسها وتعالى عليها، وكشف ارتباط العنصريين بالمستغِلّين، وصنفهم ضمن المتكرشين الخنازير الذين يملئون لوحاته، متجاوزا الطائفية بتخلفها وتشددها وعنصريتها المقيتة.

ناجي العلي، كسر صورة المثقف والفنان العربي العاجز، الشبيه بالسلطات العربية التي يخدمها أو "ينتقدها"، أخذ من الثقافة جوهرها وترك قشورها، تلك القشور التي لا زال الكثيرين يتشبثون بها، سعداء بذلك.

ناجي العلي كان "راديكالياً" في التمّسك بحقوق المستضعفين والدفاع عن حقوق الناس وإنساناً لا حدود لرحابة إنسانيته. الراديكالية كما يعلمنا ناجي هي فائض حب وعطاء واستعداد للفداء ومن هنا جاءت شخصية المسيح في لوحاته الشهيرة، لوحات الحب للمسيح المعطاء المتسامح الفدائي المناضل الذي كان دوما يدا بيد بجانب أخيه المسلم في السراء والضراء

أما اليوم وقد تمرغت منطقة الشرق الأوسط برمتها في كل الرذائل التي كان يرسم ضدّها بدءا من الطغيان والتفريط والتبعية والتناحر الداخلي وإطلاق وحش العنصريات والغرائز الدموية.. وسائر مسمَّيات الهزيمة، وصولا إلى (داعش) والتطرف الديني الإرهابي وما يقدمه من أنموذج سلبي للوحشية من هدم وتدمير ووأد وقتل.

وفي حقيقة الأمر أن كل ما حرّضَنا عليه ناجي العلى من خلال لواحاته المميزة التي استشرفت مستقبلنا المأساوي صار أبعد بكثير من الحديث عن فلسطين كقضية أولى للعرب وعن ومشروع التحرّر والعدالة الاجتماعية سواء فلسطينيا أو حتى عربيا وإقليميا.

وما استخدام الرمزين (بيت لحم كرمز لمدينة المحبة والسلام بين جميع الأديان، وشخص المسيح المقاتل والمناضل العنيد ضد الصهيونية والاحتلال ومناصريه، ودعوته للسلام إلا رسالة استشراف من الشهيد ناجي العلي إلى كل من يحمل لواء الطائفية سواء "داعش" أو غيرها من المسميات التي انتشرت في السنوات الأخيرة، بأن: "ليس هكذا تورد الإبل"، بل كونوا قدرا لمواجهة الامبريالية الصهيونية والرجعية العربية ولا تكونوا أدوات تنفيذ، تقومون بما يمليه عليكم أسيادكم، فليس لكم إلا القتال بشراسة ولكن عليكم أن تعرفوا كيف ولمن توجهوا فوهات بنادقكم، فالطائفية والعنصرية سيؤديان بالتأكيد إلى تشتتكم وتشرذمكم، وتدمير بلدانكم وحرف البوصلة عن قضيتكم المركزية، القضية الفلسطينية.

إن حاجتنا اليوم إلى فن ناجي العلي، ملحة، أكثر من أي وقت سابق. ليس لأن فن ناجي العلي قرأ واقعنا مبكرا فحسب، بل لأنه أيضا يثبت راهنية ومستقبلية عجيبة حملت حلولا لما هو آت، وليس لأن مجمل الأفكار والقيم التي ينهض عليها فنّه هي من صميم هذه الحاجة؛ بل لأن قوّة الفن عنده تتيح لهذه القيم والأفكار أن تتحول إلى وعي وضمير وإرادة، وهو ما نحتاج إليه لتجاوز لماضي بما فيه من مآسي والنظر للمستقبل الواعد بدون دماء، وعدم حرف البندقية عن مسارها السليم الواضح الذي حدده ناجي العلي وهو صدر العدو وكل من يقف معه وينفذ قراراته من الرجعيين المتكرشين الذين يزحفون على بطونهم.

حماسة الكلمات وجرئه خطوط ناجي حددت العديد من التحذيرات من خلال الأفكار التي جسدتها لوحاته، ففلسطين لديه من النهر إلى البحر وكرامة الإنسان العربي ومقاومة الاستعمار أساسا جنبا إلى جنب "مسيحي ومسلم" (لا للطائفية) فكان المسيح مقاوما برفقة حنظلة، فقد حثنا على التآخي والمحبة والنضال المشترك، فالكنيسة كانت عند ناجي العلي قلعة وثكنة للمقاتلين والمسجد كان قبلة الفدائيين، ولا فرق بينهما فالعدو واحد ويجب علينا أن نعرف كيف نواجهه، فبوحدتنا وبدون طائفية فقط يمكن معرفة (المتكرش) الذي يلهث خلف العدو ويقوم بدوره في قمع المسلم والمسيحي على حد سواء.

جسد ناجي العلي أشكالا مختلفة وصيغا لا لبس فيها مؤكدا أنها ستؤدي حتما لتصفية القضية الفلسطينية فلم يترك شيئا إلا وحدد منه موقفا (الصهيونية؛ الطائفية، الاحتلال والوصاية، الاستبداد، الأنظمة المنبطحة المتخلفة، التخاذل والخنوع) بالإضافة إلى أهم محدد وهو تدمير مكوّنات الهوية العربية بمجملها، وخصوصاً مكوّنها (المسيحي- المسلم)، الذي وضعه ناجي بكل عفوية في سياقه الثوري الممتد في تاريخ منطقتنا، مُماهياً بين الفدائي والمسيح الفادي، كون مصيرهما واحد في أرض الرسالات السماوية التي انطلقت إلى العالم من بيت لحم

فناجي القومي نبذ دائما قولا وفعلا كل النعرات الطائفية، وهنا نذكر اللوحة الشهيرة التي يسأل بها المتكرش، الرجل الطيب: "أنت مسلم أو مسيحي.. سني أو شيعي.. درزي أو علوي.. قبطي أو ماروني.. روم كاثوليك أو روم أرثـــــ... " ليقاطعه الرجل الطيب ويجيب:" أنا عربي يا جحش!! "

في فن ناجي العلي يعود المسيح من مسالك اغترابه في "الحضارة الغربية" ويرجع إلى بيته في فلسطين، إلى الأرض التي أنبتته، ومنها وإليها تعود دعوته الأُممية للنضال وتحرير الأرض والإنسان، لذا دعى مسيحيي العالم بأن يقفوا إلى جانب سيدهم المسيح الفلسطيني المضطهد فكانت رسالة قوية مفادها (كلنا مناضلون ضد العنصرية، ضد الاحتلال)

إن تصوير ناجي العلي للمسيح بالثائر يعني الشيء الكثير للمتلقي وكأن ناجي بيننا، فهو بالفعل كان يرى ما يجري حوله وفهم جيدا وحذر من الأخطار القادمة التي تُستهدف فيها مكوّنات الهوية العربية وخصوصاً المكوّن المسيحي.

ناجي العلي كان قد وضع بُعدنا العربي المسيحي في سياقه الثوري الممتد في تاريخ منطقتنا العربية، فبين الفدائي غير الأبه بما يجري حوله من "طبخات سياسية" وأجندات خارجية تعبث بالمنطقة مرجعيتها معروفة، وبين "الفادي" الفدائي الذي يتشبث بفلسطينيته وبعروبيته سواء كان مسلما أو مسيحيا

لذا أعاد ناجي العلي المسيح من غربته إلى بيته في فلسطين، إلى الأرض التي أنبتته ومنها وإليها تعود دعوته الأُممية هذه كانت بمثابة الطلقة التي لفتت أنذار العالم إلى فلسطين السليبة، التي سرقت أرضها، وهودت وما احتلال فلسطين وإقامة وطن قومي لليهود إلا طمسا للهوية الثقافية للفلسطيني المسلم والمسيحي وباقي الأديان.

ففي إحدى لوحاته جسد ناجي العلي البيت الفلسطيني في تعريف واضح كل الوضوح "بيت لحم.. البيت الفلسطيني وشارة الصليب توضح إما أن البيت لأحد المسيحيين الفلسطينيين أو أن بيت لحم هي بيت الفلسطينيين" فيما كان الجندي الصهيوني يقف بباب البيت بعد أن سلبه وصادر ما فيه، ولم يتبق على باب المنزل سوى كومة من العظام، في حين يقف قبالته وهو يضحك ذاك "المتكرش" وحال لسانه يقول: "وما سلبوه" وقد نقش ناجي على مؤخرة الخنزير رقم (242) وهو قرار مجلس الأمن الأرض مقابل السلام. الذي استخدمه كثيرا الشهيد العلي في لوحاته الشهيرة.

يأتي إعجاب المتلقي الفلسطيني لفن الكاريكاتير بشكل عام وبناجي العلي بشكل خاص، كونه علمه كيف يضحك على الوجع، ويتوحد، وكيف يجعل البسمة ضمادة تحمي الجراح من تلوث الكآبة.

وقدمت لوحات ناجي العلي فلسطين للعالم بصورتها الحقيقية كشعب مناضل متآخي مسلميه مع مسيحيه محب للحياة، للضحك، وللألوان، منحاز للقضية الفلسطينية.

ودون كلمات تُذكر، بل بالتهكم والسخرية، قدم ناجي العلي صورة للمسيح المقاتل المناضل بالصورة والضحك المر، كشخصية خامسة ترمز للفداء والظلم والمطاردة، فالسيد المسيح كان ضمن الشخوص شبه الدائمة في لوحات ناجي، إلى جانب فاطمة والرجل الطيب والمتكرش والجندي الصهيوني.

فقد جسد في إحدى لوحاته صورة الفدائي وهو يحمل الصليب يقطع نهر الأردن، وهنا إشارة من ناجي العلي إلى أن الصليب المقدس يحمل على الأكتاف تكريما للسيد المسيح، وإشارة أخرى بأن الفدائي يسير عكس التيار ففي الوقت الذي تصادر المياه الجوفية وتحول مياه نهر الأردن ليستفيد منها الصهيوني، ناجي الفكرة كي تصل للمتلقي بشكل مغاير، ويصر على أن الفدائي بملابسه العسكرية يتحدى المؤامرات ويعبر النهر حاملا الصليب، متحديا كل العقبات، فالصليب بمثابة المدفع أو "أر بي جي" الذي يقاتل به الثائر الفلسطيني.

أخذ الجانب العقائدي في نتاجات ناجي العلي دوره في مهمة خلق الوعي والتنمية السياسية لأن الوازع الديني في اعتقاده يشكل الملامسة الحقيقية لمشاعر الناس وأحاسيسهم، وهو المحرض الأساس لحركة وعيهم تجاه ما يحيق بهم من مخاطر ومؤامرات وهو ما يفسر دوماً الإشارات واللافتات الواردة في بعض رسوماته المشيرة باتجاه بيت المقدس وبيت لحم مهد المسيح، والمدن الفلسطينية المختلفة.

فرسم السيد المسيح فاردا يديه ليستقبل المحبة والسلام ومعلق في رقبته مفتاح العودة، وهنا إشارة إلى عودة اللاجئين إلى فلسطين التاريخية، ولسان حاله يقول: "بيت لحم" أي أهلا وسهلا بكم في فلسطين بمدينة المحبة والسلام.

لم يتوان ناجي في فضح جرائم الاحتلال، دون أن يفرق بين الأديان وبين المواطن الفلسطيني وآخيه من الديانات الأخرى، فكان دائما مشدوها إلى الوحدة، فظهرت المسيحية الكفاحية في رسومه بأجمل ما يمكن أن تخطه يد فنان مستلهماً ذلك الجمال من وعيه الذاتي، فوردت مدينة بيت لحم كباقي المدن الفلسطينية إن لم يكن أكثر في لوحات ناجي، كونه ابن قرية الشجرة التي كان يعيش فيها المسيحي إلى جانب المسلم، وهو ما يعطي تفسيراً للوحة التي اتضحت فيها فلسطينية المسيح الثائر والكنيسة المقاومة، فجسد المسيح الفلسطيني وهو ملثم بكوفية فلسطينية، فيما الكنيسة "المرأة الفلسطينية" يعلوها لفظ الجلالة وتزدان وجنتاها باسم النبي محمد "صلعم" والمسيح ابن مريم "عليه السلام" وهي تؤكد تمسكها بكل فلسطين وعدم الرضي بأي وطن بديل.

وجسد المرأة الفلسطينية "فاطمة" وهي معلقة على الصليب من ضفريها بالأسلاك الشائكة

فيما يظهر الهلال في سواد اللوحة ليقول: لا بد لليل أن ينجلى..

فالمرأة سواء المسلمة أم المسيحية فهي الأم والأخت والزوجة المناضلة التي تتقدم الصفوف دوما، ولا تخشى أو تهاب أحدا، فرسمها مصلوبة على صليب منقوش عليه "الناصرة" وهنا أراد ناجي أن يذكر بمدينة الناصرة أولا، وثانيا فهي صفة للمرأة الطيبة "فاطمة"، فيما هي ترتدي الزى الفلسطيني"الثوب المطرز" ومعلق في عنقها الصليب، فيما حنظلة يحتضنها وهي رسالة ناجي "للمتلقي" بأننا جميعا نكن كل المحبة والاحترام لهذه السيدة التي تضحي من أجلنا، فهي منجبة الرجال، وهي الصادقة الصابرة المثابرة دوما، التي تفتدي شبابها وتتقدم للتضحية، هي المرأة المسيحية، والمرأة المسلمة على حد سواء.

كذلك جسد ناجي العلي المسيح الفلسطيني المصلوب وهو يركل بقدمه المتحررة من مسمار الصليب الجندي الإسرائيلي مذكراً بدور اليهود في صلب المسيح والوشاية به، أراد بذلك التعبير، توضيح عدوانية الصهاينة تجاه أصحاب الديانات الأخرى وعدم التزامهم بأي عهد أو وعد.

وفي رسومات أخرى جسد المسيح المضحي المعتز بفلسطينيته انطلاقاً من رفضه للوجود الصهيوني فوق الأرض العربية كونه تدنيساً للمقدسات الإسلامية والمسيحية وإهانة للمعتقدات الدينية للمسلمين والمسيحيين.

جعل كذلك من حنظلة "الأيقونة" طفله الشقي محرراً المسيح عن صليبه ليرجم المحتل بحجره، فيما صور أجراس الكنائس المسيحية في الأرض المحتلة رصاصات ثورية، وهي تقبع أسيرة خلف الأسلاك الشائكة، فيما جسدها كبؤرة للثورة المسلحة.

وفي لوحة أخرى فقد جسد الجندي الصهيوني الذي صادر بيت الفلسطيني، وهنا إشارة واضحة للتهويد والمصادرة وانتشار المستوطنين في بيوت الفلسطينيين التي يصادروها عنوة من أهلها، سواء كانوا مسلمين أم مسيحيين، إذ يفتح نافذته التي تتكون من ضلفتين، وقد رسم على الجهة اليسرى الهلال وفي الجهة الثانية جسد الصليب، فيما يقف حنظلة يراقب المشهد كما هي عادته، ليسجل لنا استشرافا جديدا لناجي العلي، لعلنا نلحظه حتى اليوم، وهو ما يتم مصادرته من أراض وبيوت فلسطينية.

وكان ناجي حريصا كل الحرص على ربط الديانتين "الإسلامية والمسيحية" فقد بينت اللوحة كيف يهم أحد المتكرشين المسافرين إلى "أوسلو" أو "مدريد" حيث يحمل حقيبة مكتوب عليها "المؤتمر الدولي" فيما الرجل الطيب مقطوع اليدين مثبت على صليب مصنوع من إحدى خشبات قطار التسوية، مثبت بمسمارين قويين لن يدعاه يفلت بأي حال من الأحوال، أما المسافر فهو المتكرش ينتظر مرور القطار متجها إلى المؤتمر الدولي، فيما يقول الرجل الطيب: "أحد أحد.. كامل التراب الوطني الفلسطيني" وهنا كان ناجي يعي جيدا أن هذه السكة الحديدية وهذا القطار "التسوية" لن يأتي بكامل التراب الوطني الفلسطيني، فالمسيح الفلسطيني يقبع للتعذيب الوحشي كما "بلال الحبشي" وإخوته المسلمين في بداية نشر الدين الإسلامي، وهذا الموقف لن يتراجعوا عنه مهما حدث من تعذيب، حتى لو أن قطار التسوية داسهم وفرمهم أثناء عبوره، فلا عودة عن كامل التراب الوطني الفلسطيني

وفي لوحة أخرى جسد قبة الصخرة المشرفة كصحن مجوف انتزع جندي صهيوني جزأها الأعلى ووقف بداخلها رافعاً العلم الإسرائيلي، إن خوف ناجي المشروع والظاهر في عدد من لوحاته على الأماكن المقدسة وحريتها، إنما يدلل على وعيه وفهمه لطبيعة العقلية العدوانية الهادفة لاقتلاع المواطن.

اقترب ناجي من أوجاع الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين والعرب في سجون الاحتلال الإسرائيلي وداوى جراحهم وحثهم على الصبر والأمل بفجر الحرية الآتي من غياهب السجون، فشحذ هممهم وأعطاهم بصيص أمل يحطم سلاسلهم، ويصدع جدر زنازينهم لينعموا بالحرية.

يشير ناجي العلي في إحدى رسوماته إلى بناء الجدار العنصري، حيث يقوم الجندي الإسرائيلي بعملية البناء فيما يظهر العربي المتكرش على شاشة وسط الجدار وهو يرفع شارة النصر، مما يظهر الدور العربي الخانع والمتوافق بما تقترفه إسرائيل من جريمة بناء الجدار العنصري، وهنا رسالة واضحة على تنبؤ ناجي العلي واستشراف المستقبل لما يحدث اليوم؛ فيما الأنظمة العربية لا حول لها ولا قوة، مكتوفة الأيدي حيال ما تقوم به إسرائيل من هجمة صهيونية على مصادرة الأراضي وبناء الجدار.

استشرف العلي ما يجري اليوم من مصادرة المياه وتجفيف مصادرها عن الفلسطيني، فجسد الجندي الصهيوني وهو يستحوذ على المياه "عبر الجرة"، فيما يمنعها عن امرأة فلسطينية تحاول أن تأخذ القليل من المياه، وتشير اللوحة إلى مستقبل مياه نهر الأردن التي لن يحصل الفلسطيني على حصته منها، وفي لوحة أخرى يجسد المرأة الفلسطينية الطيبة وهي تسقي الفلسطيني الجريح.

ظاهرة نادرة في الكاريكاتير السياسي

بعد استشهاد ناجي العلي نشرت مجموعة كبيرة من الأعمال النقدية والدراسات عن حياته وأعماله، لكن المؤسسات الفلسطينية "الشعبية جدا" صمتت صمت القبور، مما يعكس حقيقة أنها أضحت جثة هامدة لا تُبعث إلا للتطبيل والتزمير لـ"القائد" وإنجازاته وحكمته.

الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين أكدت: "إن جريمة اغتيال الفنان ناجي العلي مبدع الكاريكاتير فضيحة للسطحية والجهل والأنانية والغوغائية.. فحين سقط ناجي العلي جسدا على الرصيف اللندني، سكت ضيقو الأفق والكتاب الخائفون المتصالحون، ثم غمغموا، ولم يدينوا أحدا، فقد كان فنانا لا يساوم، قاسيا على الذين يتقدمون الصفوف ويمشون عوجا، ولا يرضى بأقل من البياض والنصاعة والطهارة التامة للذين ينتحلون تمثيل البسطاء والفقراء والوطن".

ناجي العلي كان أحد مهندسي المزاج الوطني، وهو أحد انتاجات الإبداع الوطني، هو ابننا وأخونا ورفيق مذابحنا وأحلامنا، وخالق حنظلة الخالد، القادر على أن يسمي هويتنا بتأتأة تضحكنا وتبكينا".

"الثمن المحتوم لنضال ناجي هو أنه كان يدرك أنه سيدفع الثمن في لحظة ما، ومع هذا لم يكن هناك ما يدل على خوفه من دفع الثمن، بل العكس، ظل يناطح حتى الاستشهاد، كانت الشهادة مرسومة على جبينه منذ أن قرر أن يخوض معركته، معركة الشعب الفلسطيني حتى النصر أو الاستشهاد، لم يتراجع لحظة ولم ينافق لحظة ولم يفكر لحظة في حماية رأسه".

من غير الممكن وصف إبداعات الفنان الكبير بالكلمات، لكن كل رسم خطته ريشته شكلت برنامجا وطنيا ودليل مناضل، الكثير كتب عن فنه، أما عن قتلته فلم يكتب سوى القليل. لكن صحفا أوربية وأميركية عديدة ذيلت الرسم عن "رشيدة مهران" المرفق بتعليق "الكاريكاتير الذي تسبب في قتل راسمه"، مشيرة بذلك بوضوح إلى وقوف قادة خلف جريمة الاغتيال.

الشرطة البريطانية، التي ادعت معرفة هوية مفجر طائرة البوينغ فوق لوكربي عبر قطعة إلكترونية لا تتجاوز مساحة سطحها مليمترات قليلة، يبدو أنها ميعت القضية ففر القاتل ونجا من أرسله، فشاركت بذلك مباشرة أو عن طريق غير مباشر في جريمة الاغتيال.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

• دراسة ستصدر ضمن كتاب "سلطة السخرية والفن المشاغب" تحت الطبع للدكتور عاطف سلامة / باحث ومتخصص في فن الكاريكاتير- فلسطين

الصفحة 1 من 27