مقالات مختارة

في الممنوع من التعريف واستثماره!

 

 

عبد اللطيف مهنا ( فلسطين ) السبت 17/6/2017 م ...

في الممنوع من التعريف واستثماره! ...

ربما ما من أحد في عالمنا، لا سابقاً ولا في هذه الأيام، باستثناء مقاومي الاحتلالات والمدافعين عن أوطانهم، ومناهضي الهيمنة والمقاتلين من أجل حريتهم، يريد تعريفاً جامعاً مانعاً ومجمع عليه لآفة الإرهاب. تعريفه لو تم، أو أخرج من هلاميته المتعمدة، فسيكون في ذلك فألاً سيئا على استثمارات ومستثمري هذا المصطلح الممنوع من التعريف عن عمد وسابق إصرار. هو على ما هو عليه من السيولة، صالح وغب الطلب لأن يكون شماعةً لمن شاء استخدامه ذريعةً جاهزةً لسياسات البطش وعربدات الهيمنة...وصولاً إلى صولات الحروب العدوانية الاستباقية، ومخططات العبث بجغرافيا ومصائر الشعوب وفجور السطو على ثروات الأمم.

في العقدين الأخيرين اللذين لم ينتهي بعد آخرهما، شن أمريكان بوش الأبن حربهم على أفغانستان تحت يافطة محاربة ما بذر اسلافه بذرته الأولى هناك ليواجهوا بثمرتها المرة السوفيت آنذاك، ومن بعد غزوا العراق ليحطموا كل أسس الدولة فيه، وباسمها فتكت طائرات امريكان خلفه أوباما بأبرياء الأفغان في حفلات أعراسهم، وأطفال قبائل جبال شمال الباكستان في كتاتيبهم، ولم توفِّر الشيوخ والنساء والأطفال في قرى وصحاري اليمن ... ولمحاربته ها هي أميركا ترامب تعود لأفغانستان والعراق اللذين هي أصلاً لم تبرحهما، بل وتحاول إحكام قبضتها على كامل الوطن العربي مشارق ومغارب.

في حومته هُمِّشت القضية الفلسطينية ويدفع بها حثيثاً إلى شفير التصفية، ولم تنجو ليبيا التي نكبت ومُزِّقت ولا سوريا التي دُمِّرت ونزفت وصمدت، وو... وإلى أن وجدت الأمة بكاملها نفسها في مثل هذه المرحلة المصيرية الخطرة، أي أمام غائلة تجزئة مُجزَّئها وتفتيت مُفتَّتِها، ومحاولات طمس هويتها التليدة باستنبات هويات بائدة وبعث رميمها عنوةً في حنايا جسدها المثخن بجراحها الملتهبة بسموم فتن التطييف والتمذهب.

لا ينبغي منا أن ننسب كل الدواهي التي تلحق بنا في هذه المرحلة الانحطاطية للعوامل التآمرية الخارجية وحدها. بمعنى أنه لا يجب أن نعفي انفسنا من عوامل ذاتية من شأنها أن فردت بساطنا لتلقِّيها برحابة، بل وهيأت تربتنا لتكون الجاذبة لها والحاضنة لينوع أعشابها الضارة بين ظهرانينا، ومن بينها مسمى "الإرهاب". في هذا يطول الحديث، وفي هذه العجالة سنكتفي بموضوعنا المتعلق بالمستفيد من هذا الوحش تنميةً وتضخيماً واستثماراً، والذي هو قطعاً ليس الضحية التي هي أمتنا... المستفيد الأكبر بلا منازع منه هو الكيان الاستعماري الاستيطاني المغتصب لفلسطين ورعاته، هذا الذى قام أصلاً على مبدأ إرهاب الفلسطينيين بمسلسلات المذابح المعروفة لتشريدهم.

مسميات عصابات إتسل وشتيرن والهاغناة وارتكاباتها لا زالت ماثلة في الذاكرة الفلسطينية ولن تبرحها. ولا حاجة إلى أن نعود إلى مبدأ بن غوريون المعروف القائل بوجوب تفتيت المفتت العربي لتثبيت كيانه الغاصب مركزاً تدور المزق المفتتة من حوله. كما وهل يخفى على أحد أن هذا الكيان، ومن هم خلفه، هم وحدهم المستفيدون من كل مظاهر هذا الواقع العربي المريع؟ في أجواء سموم الانحدار الذي يكابده حال الوطن العربي بكامله، لم يعد الحديث عن صهينة العالم ضرباً من التزيُّد، لاسيما ونحن نشهد رياح الصهينة قد باتت زوابعها تهب في ديارنا، ولدرجة تتجرأ فيها نخب من مثقفي الدونية والتطبيع على المجاهرة، وحتى التبشير، بوجوب التعايش مع هبوبها!

ونعود لبازار الاستثمار الإرهابي المتسم بالرواج في أيامنا الأسوأ، فنلاحظ أن وسائل الإعلام العدوة تطنب في امتداح زيادة الطلب الأوروبي في الآونة الأخيرة على التقنيات العسكرية والأمنية المتعلقة بما تدعوه "مكافحة الإرهاب"، التي ينتجها الكيان، وتفاخر بالاستثمار الاستخباراتي والتكنولوجي المتعلق بهذه المكافحة التي تدر بركاتها عليه عوائداً مجزية، كما والذي من شأنه أيضاً الاسهام في تعزيز أواصر تعاونه العسكري والإستخباراتي التليدة مع الغرب، والمستجدة النامية مع سواه غرباً وشرقاً، ومن ذلك:

إن دولة أوروبية، أُحجم عن ذكر اسمها، قد وقَّعت عقداً مع شركة "البيت"، المتخصصة في هذا المجال المربح، بقيمة 390 مليون دولار لشراء منظومات تقنية ل"مكافحة الإرهاب"، كما وأن دولة أخرى قد وقَّعت أيضا عقداً مع شركة الصناعات الجوية بقيمة 600 مليون دولار لشراء طائرات بدون طيار لهذا الغرض، لكنما لعل الأهم منه هو ما نقلته صحيفة "معاريف" من تدشين جرى لممثلية للكيان في مقر حلف الناتو في بروكسل بدعوة من الأمانة العامة للحلف، والهدف، كما قالت، هو إفادة الحلف من خبرات الكيان في مجال "مكافحة الإرهاب"، هذا الذي لم يعد سراً أنه يقوم بتقديم استشارات للدول الأوروبية بعامة وأعضاء حلف الناتو منها ويوالي التعاون معها استخباراتياً...وبالطبع إن من بين مهمة هذه الممثلية أن ينشط طاقمها في تسويق منتجات الكيان العسكرية والأمنية والترويج لها داخل الحلف، والتوسط بين شركات السابير فيه والأمانة العامة للحلف.

...الموسم الإستثماري الإرهابي وفير المردود على كيان قام على الإرهاب واستمر عليه ولا يستمر بدونه، قد وفَّره له ما قد لخَّصه سفير هذا الكيان لدى حلف الناتو روني ياعر بقوله من أن انتقال هذا الحلف من التركيز المعتاد على محاربة الجيوش النظامية إلى محاربة "الإرهاب"، قد "اسهم في تعزيز العلاقات الثنائية مع اسرائيل بشكل غير مسبوق"...

الحلف التركي ــ الأميركي أو ثمن العلاقة مع الغرب

 

 

عامر محسن ( السبت ) 17/6/2017 م ...

الحلف التركي ــ الأميركي أو ثمن العلاقة مع الغرب ...

منذ أسبوع، كتب المؤرّخ التركي شكرو هاني أوغلو (هو حالياً أستاذ تاريخ الشرق الأدنى في جامعة برنستون) مقالاً متشائماً عن مصير الحلف الأميركي ــ التركي، الذي يعود الى نهاية الحرب العالمية الثانية، اختار أن ينشره في دورية «ناشيونال انترست» الأميركية المحافظة.

يحمل المقال عنواناً معبّراً "هل إنّ نهاية الحلف التركي ــ الأميركي محتّمة؟»، ويبني هاني أوغلو فيه مقارنةً بين الحلف العثماني ــ البريطاني في أواسط القرن التاسع عشر، ومساره ونهايته، والحلف الأميركي ــ التركي الحالي، الذي يمرّ ــ بحسب هاني أوغلو ــ في تحدّياتٍ تشبه تلك التي أبطلت التحالف بين السلطنة وبريطانيا، وحوّلتهما ــ خلال سنوات قليلة ــ الى أعداءٍ وجوديين مع اندلاع الحرب العالمية الأولى.

يقول هاني أوغلو إنّ الحلفين، على رغم وجودٍ قرنٍ كاملٍ من الزمن يفصل بينهما، أنشئا في ظروفٍ متشابهة ولخدمة الهدف ذاته تقريباً (الوقوف ضد التوسّع الروسي في حالة السلطنة العثمانية، ومحاصرة التهديد السوفياتي خلال الحرب الباردة)، بل إنّ الحلفين ــ يزيد المؤرّخ التركي ــ يشكّلان امتداداً أحدهما للآخر. حين وجدت السلطنة ــ في القرن التاسع عشر ــ أنّ وحدتها الاقليمية أضحت مهدّدة بفعل الصعود الروسي، لجأت الى القوة الامبراطورية «البعيدة»، بريطانيا، التي جعلت من حماية الأراضي العثمانية من الغزو الروسي ركناً أساسياً في سياستها الخارجية على مدى عقود. في المقابل، حين واجهت الجمهورية التركية، إثر الحرب العالمية الثانية، عداءً سوفياتياً وتهديداً مباشراً من ستالين (وذلك كان، أساساً، بسبب اعتماد الحكومة التركية سياسات مؤيدة للنازيين خلال الحرب)، لجأت أنقرة الى الولايات المتحدة والرئيس ثيودور روزفلت، واعتمدت نظاماً انتخابياً برلمانياً بدلاً من حكم الحزب الواحد، واعترفت بالكيان الصهيوني عام 1949، وأصبحت عضواً في حلف الـ«ناتو» عام 1952 لتكتسب لقب «الحصن الشرقي للديمقراطية الغربية» بحسب المؤرّخ التركي.

ضمور التحالفات

المشكلة هي أنّ التحالف الذي يقوم على وجود عدوٍّ مشترك تزول أسبابه بزوال ذاك العدوّ، وتبدأ التناقضات الخفيّة بالبروز. وصل التقارب العثماني ــ البريطاني الى قمّته خلال حرب القرم عام 1853، حين نظّمت بريطانيا حلفاً أوروبياً للدفاع عن الدولة العثمانية ومنع روسيا من قضم أراضيها. ولكن مع خفوت التوتر والمنافسة بين روسيا وبريطانياً («اللعبة الكبرى»، كما سُمّيت حينها)، وصولاً الى المعاهدة التاريخية التي أنهت العداء بين البلدين عام 1907، أصبح الحلف البريطاني ــ العثماني شكلياً، وانتفت وظيفته الحقيقية، فوجد البلدان نفسيهما على جبهاتٍ متقابلة بعد سنوات قليلة. الحلف الأميركي ــ التركي أيضاً، يقول هاني أوغلو، صنع العداء المشترك للاتحاد السوفياتي دعائمه؛ فالجمهورية التركية وجدت نفسها في جوار خصمٍ هائل يعاديها، بينما فهمت أميركا أن تركيا تصلح كمنصّة لإطلاق الصواريخ والانزالات ضدّ السوفيات لو اندلعت الحرب، وسدّاً يمنع التوسّع الشيوعي في البحر الأسود، ونقطة ارتكازٍ موالية للغرب في منطقة مضطربة. ولكنّ نهاية الحرب الباردة ألغت كلّ هذه الاعتبارات، فلا تركيا تنظر الى روسيا كتهديدٍ وجوديّ بعد اليوم، ولا واشنطن مستعدّة للتغاضي عن كلّ شيء مقابل ضمان حليفٍ يجاور الخصم السوفياتي.

يحاجج هاني أوغلو بأنّ التوتّرات بين أنقرة وواشنطن في السنوات الأخيرة، وعوارض "ضمور الحلف" التي تظهر باطراد، تتطابق مع ما جرى بين الباب العالي ولندن في أواخر القرن التاسع عشر، وصولاً الى الحرب العالمية الأولى. لجأ العثمانيون الى البريطانيين لسببين مترابطين: للحفاظ على وحدتهم الترابية (وهذا كان الهمّ الأساس لحكّام اسطنبول خلال القرن الأخير من حياة السلطنة)، وعلى اعتبار أنّ بريطانيا قوّةٌ «بعيدة»، لن تنافس السلطنة على الحدود وتطمع بالتوسّع على حسابها. حين خفت التهديد الروسي، تغيّرت الصورة تماماً: بدأت بريطانيا بحثّ إسطنبول على تقديم المزيد من التنازلات للأقليات الدينية والقومية، التي كانت قد بدأت بتهديد النسيج الامبراطوري، ودعمت حكماً ذاتياً لمقدونيا ونظاماً مشابهاً للمحافظات الأرمنية في الأناضول، وهي أمورٌ كان الباب العالي قد بدأ ينظر اليها كخطٍّ أحمر. من هنا، اقتنع قسمٌ كبير من قادة الدولة في إسطنبول بأنّ بريطانيا ــ تحت شعارات اللبرلة وحقوق الأقليات ــ تخفي مخطّطاً سرياً لتقسيم السلطنة العثمانية وتحطيمها.

بالمثل، لم تعكّر القضية الكردية أو المسألة الديمقراطية العلاقات بين واشنطن وأنقرة، وظلّ الإعلام الأميركي ينظر الى تركيا ــ طوال الحرب الباردة ــ كنظامٍ حليفٍ و«ديمقراطي» (رغم دور الجيش والانقلابات المتتالية)، وقد فهم القادة الأتراك أنّ حلفهم مع واشنطن يعطيهم "الحرية الكاملة" على المستوى الداخلي، وبخاصة في ما يتعلّق بوحدة البلد. التوتّر بين تركيا والغرب حول قضايا الأكراد والديمقراطية (إضافة الى مسألة المجزرة الأرمنية) انطلق مع نهاية الحرب الباردة، وقد عبرت واشنطن ودولٌ أوروبية، في هذا الإطار، العديد مما يعتبره القوميون الأتراك «خطوطاً حمراً» في السياسة الداخلية. ومع التحالف الأخير بين أميركا والميليشيات الكردية في سوريا، يتزايد الاقتناع لدى قطاعٍ عريض من المسؤولين الأتراك وكوادر «حزب العدالة والتنمية» بأنّ أميركا تضمر مؤامرةً خطيرة ضدّ تركيا، وتنوي تقسيمها أو تحويلها الى فيديرالية إثنيات وأقليات، بلا مركزٍ ولا سيادة.

الصداقة مع القوي

لدى سمير أمين رأيٌ في هذه المسألة، إذ يرى أنّ اشتعال القضية الاثنية والتحالف الغربي ليسا موضوعين منفصلين أو يمكن تفسيرهما حصراً، كما يفعل هاني أوغلو، عبر تغيّرات المصالح والسياسة الدولية. إدماج تركيا في المنظومة الغربية وتحويلها الى "هامش" في النظام العالمي كان سلّماً يوصل ــ لا محالة ــ الى تفكيك الدولة الكمالية ونخبتها وايديولوجيتها واستبدالها بنظامٍ "طائفي». الانتخابات ونظام التعددية الحزبية الذي شجّعت واشنطن تركيا على اعتماده بعد الحرب العالمية الثانية، لم يخلق ديمقراطية ليبرالية، ولكنّه أدّى الى صعود نخب جديدة من خارج الدوائر الكمالية التقليدية (التي تنحدر أغلب شخصياتها من أصول "روميلية»: اسطنبول وازمير وتسالونيكي)، ودخول قيادات إسلامية ومحافظة من الأناضول (وحركات قوميّة كردية بعد التسعينيات) الى النظام السياسي.

لم تكن أميركا أصلاً متحمّسة للعلمانية الكمالية المتطرّفة (اللائكية) خلال الحرب الباردة، يقول هاني أوغلو؛ فواشنطن كانت تفضّل أن تكون تركيا قطباً يجذب المسلمين في العالم، وليس تجربةً في محاكاة الغرب. ولم تكن أميركا، في تلك المرحلة، تشعر بقلقٍ من التيار الاسلامي، إذ إنّ كامل المجتمع السياسي التركي عام 1952 كان مؤيّداً لدخول الـ«ناتو» والتحالف مع الغرب، بما في ذلك النخب الاسلامية. وقد كانت الحركات الاسلامية التي تنتجها تركيا في تلك المرحلة من صنفٍ يؤيّد الغرب وأميركا بوضوح (ومثالها حركة فتح الله غولن: إسلامي معادٍ للكمالية ويدعو الأتراك إلى العودة الى تقاليدهم، ويؤيد في الوقت ذاته أميركا وإسرائيل بشكلٍ مطلق).

للحق، فإنّ ما يقوله سمير أمين لديه سابقة في التحالف العثماني البريطاني. كما يشرح المؤرّخ التركي هاني أوغلو، تبدلّت صورة "العثماني" لدى الأتراك مرّاتٍ عدّة. ليس صحيحاً أنّ أوروبا كانت تنظر الى السلطنة حصراً كـ«رجلٍ مريض» ونظامٍ متخلّف، بل إنّ "التنظيمات" العثمانية، التي ترافقت مع توثيق التحالف بين السلطنة والامبراطورية، صاغت نظرةً مختلفة تجاه الحكم التركي في لندن في أواسط القرن التاسع عشر، حيث أصبح العثمانيون "ليبراليين" ونظاماً ملكياً "يقوم بإصلاحاتٍ" وحليفاً للقوى الليبرالية الأوروبية في وجه الحكم المطلق للقيصر الروسي. بل إنّ السلطان عبد الحميد أعطى رعاياه من كلّ الأديان حقوقاً قانونية متساوية، بتشجيعٍ من لندن، وأقرّ دستوراً ليبرالياً لقي الثناء في أوروبا. غير أنّ القادة العثمانيين اكتشفوا سريعاً أنّ هذه الاصلاحات تحديداً قد سرّعت من تطوّر الحركات الاستقلالية على هوامش السلطنة وبين الأقليات، وقد اعتبرت القوميات والأقليات أن الدستور الجديد والحقوق القانونية ليست كافية، وبدأت بالمطالبة بالاستقلال، وقد شجّعتها الاصلاحات والموقف الاوروبي المساند. هنا، وتحت تأثير التهديد واليأس والتشكيك في الحليف البريطاني، علّق عبد الحميد الثاني دستور 1877 وحاول تركيز الحكم واعتمد سياسة "إسلامية" تجاه رعاياه والعالم.

المواجهة

جاءت الضربة القاضية للحلف الانغلو ــ عثماني حين لم تعد بريطانيا قوّة بعيدة، بل أصبحت "جارة" للسلطنة، تحتلّ مصر وتعقد معاهدات الحماية مع شيوخ الخليج، وتقضم ــ تماماً كالروس ــ المجال الحيوي العثماني. مع ازدياد التوتّرات بين البلدين، قرّرت بريطانيا أن تجعل القاهرة، لا إسطنبول، مركز سياستها في الشرق الأوسط، وهو الأمر الذي زاد من تهميش الحلف الثنائي وموقع إسطنبول في السياسة الخارجية البريطانية (على الهامش: جزءٌ أساسي من الريادة المصرية على مستوى الاقليم في مجالات الادارة والزراعة والتعليم وغيرها من قطاعات الحداثة كان مردّه هذا الاستثمار البريطاني الكبير في مصر، قبل احتلالها عام 1882 وبعده).

بالمثل، وصل الحلف التركي ــ الاميركي الى نقطة التوتّر بعد حرب العراق عام 2003، حين أصبحت أميركا "جارةً" لتركيا، واقتنع العديد من المخططين الأتراك بأنّ لواشنطن ــ مثل لندن في الماضي ــ "خريطة" جديدة للشرق الأوسط، لن تترك تركيا قوية وموحّدة. بطبيعة الحال، تحوّلت هذه الشكوك الى ذعرٍ مع الحرب السورية، والتحالف الأميركي العسكري مع قوىً كردية تعتبرها أنقرة ــ بمقاييس أمنها القومي ــ بخطورة "داعش" تماماً. بدلاً من أن تكون تركيا هي الحليف الوحيد لأميركا في المنطقة، فإنّ واشنطن قد تستبدلها بقوىً أكثر "طواعية»، كالسعودية والإمارات، أو بدويلاتٍ تعيش بفضل الحماية الأميركية، في كردستان العراق أو في سوريا.

الأساس هنا هو أنّ التحالفات مع القوى العظمى ليست متشابهة ومن نمطٍ واحد، على الرغم من الاختلال البنيوي في ميزان القوى بين الحليفين في كلّ الحالات. الحلف الاميركي ــ السعودي لا يشبه الحلف الأميركي ــ الكوري أو الحلف الأميركي ــ التركي، ولكلٍّ وظائف مختلفة. إنّ تعابير "التبعية" و«الخضوع" قد تخفي واقعاً أكثر تعقيداً، ولا يمكن تبسيط المسألة بأنّه يكفي أن يصدر مسؤولٌ أميركيّ أمراً حتّى يطيع الحليف. في أواخر القرن التاسع عشر، كان السفير البريطاني في إسطنبول ستافورد كاننغ يكنّى بـ«السلطان الصغير» في المدينة، وكان ــ بحسب هاني أوغلو ــ قادراً على تعيين الوزراء وطردهم. غير أنّ الفريق المؤيّد لبريطانيا هُزم في نهاية الأمر حين اقتنع السلطان وعددٌ كبير من رجال الدولة بأنّ هذا الحلف قد تحوّل الى اختراقٍ ولم يعد يخدم أهدافه، وسيؤدّي الى نهاية "الدولة العليّة" (بالمثل، اقتنع عددٌ من أركان الحكم في تركيا بأنّ أميركا تنمّي فصيلاً "ناتوياً" داخل الدولة والجيش، وهي شكوكٌ تحوّلت الى اتهامات بعد الانقلاب الأخير الفاشل، واعتماده الأساسي على وحدات من الجيش التركي مدرّبة للعمل مع قوات الـ«ناتو»).

الأتراك، بحسب المؤرّخ التركي، لن يستديروا بالكامل ضدّ واشنطن، أو يحاولوا استبدالها بحلفاء إقليميين، مهما اشتدّت التوتّرات والشكوك المتبادلة، إلّا إذا اقتنعوا ــ كأسلافهم العثمانيين ــ بأنّ لا خيار آخر أمامهم: تغيير الحلفاء أو التقسيم وخسارة البلد. يقول سمير أمين إنّ "ثورية" الحركة الكمالية خلال حرب الاستقلال، وعداءها للإمبريالية، كانا أساسيين، لأن البريطانيين لم يتركوا لهم خياراً آخر، وقد أصبحت جيوشهم في قلب الأناضول. لهذا السبب، نحن لا نعرف ما سيكون مصير الحلف الأميركي ــ التركي، وهل سيُصان رغم المصاعب والتحديات، أم سيواجه مصير سالفه؟ في كلّ الحالات، المنطقة قادمةٌ على تغييراتٍ تاريخية، وكلّ معركةٍ في الاقليم تسهم في رسم خريطة المستقبل. السؤال الحقيقي هو: لو وجد الأتراك أنفسهم، فرضاً، في حالةٍ تشبه الحرب العالمية الأولى، وتخلّى عنهم الغرب وسعى الى تفتيتهم ومدّ يده الى العرب والأكراد، فهل سيكرّر العرب بدورهم خطيئتهم ويستعيدون دورهم عام 1916؟

تحديات الاقتصاد والاستثمار ... كفاءات !!!

 

 

م.هاشم نايل المجالي ( الأردن ) السبت 17/6/2017 م ...

تحديات الاقتصاد والاستثمار ... كفاءات !!! ...

لقد اصبح هناك حدود وفواصل متعددة بين الاقتصاديات الجديدة والاقتصاديات القديمة والخصائص القوية والمميزة للاقتصاد الجديد والتي تميزه عن الاقتصاد القديم وهذا يستلزم فكر استراتيجي نشط يوجه ويحكم سلوك الجهات الحكومية المعنية والشركات الكبرى ازاء انتقاء التوليفة المناسبة لذلك وباختيار الموارد البشرية المؤهلة لذلك فالعوامل المستقرة ومفاهيم ادائها التي كانت اطاراً للاقتصاد القديم والتي يبدو عليها نوعاً من الرومانسية لم تعد تتلائم والمفاهيم التي تحكم الاقتصاديات الجديدة حيث ان الدول والعالم اجمع اصبح امام تحديات متعددة وكثيرة وعلى رأس اولوياتها الموارد البشرية المؤهلة والتي تتحكم بذلك والتي تتناغم مع التجديد خاصة ما شهده حقل السلوك التنظيمي مفهوماً وابعاداً فهناك فلسفة شعورية في ادارة المنشآت والثقة التنظيمية والتعامل ضمن الامكانيات فتطوير مهارات المديرين والمسؤولين في هذه المواقع يقع ضمن فلسفة ادارة العمل كذلك استراتيجية تطوير وتدريب وتأهيل العاملين على رأس عملهم لزيادة الثقة والاحساس بالمسؤولية وتمكينهم من زيادة الانتاجية والكل يعلم ان هناك تلاحق وتسارع في الابتكارات والابداعات بحيث اصبح رأس المال الفكري من اهم العناصر التي تحقق البقاء في السوق لأنه يحفز على انتاج افكار جديدة وتطوير الافكار القديمة واصبحت المعرفة هي المفتاح الرئيسي لتطوير اقتصاديات الدول وما تستلزمه من متطلبات الاستثمار في رأس المال الفكري في تقييم ومراجعة للاداء البشري وتقييم كفاءاته باعتبارة العنصر الحقيقي لقدرة المؤسسة او المنظمة او الشركة على المنافسة وتحقيق النجاح ورأس المال المعرفي ( الفكري ) هو المعرفة التي يمكن توظيفيها اذا ما تم العثور عليها في شخص ما واستثمارها لصالح المؤسسة او الشركة والاقوى ان تمتلك تلك المؤسسات نخبة متميزة من المدراء والعاملين في كافة المستويات ويكون لديها القدرة على التعامل المرن في ظل انتاجي وصناعي متطور فهم اصحاب مهارات ولديهم القدرة على استخدام التقنيات الحديثة وهذا اصبح ميزة تنافسية ودعامة اساسية لوجودها وازدهارها وتطويرها وهنا يكمن اهمية الاختيار الانسب للكوادر المؤهلة وذات المهارات والخبرات المتقدمة ولهم قدرات عقلية ذات مستوى معرفي عالي ويعتبر ذلك موجودات فكرية غير ملموسة لكن لها أثر كبير في التطوير وزيادة الانتاجية وهو سلاح تنافسي لذلك فان تفوق العقول البشرية من خلال ما تنتجه من ابداعات وابتكارات وتحسينات تسهم في القيمة التنافسية للمنشأة لذلك فان المناصب في المؤسسات والدوائر الحكومية والشركات الكبرى يجب ان توكل الى كوادر مؤهلة وذات كفاءة تناسب الموقع والمهمة لا ان يكون المنصب مفصل تفصيلاً لاشخاص غير قادرين على قيادة تلك المنشأة والمؤسسة فكم وجدنا اشخاصاً قد فشلوا بمواقعهم وأدوا الى اخفاقات ملموسة بالمؤسسة والشركة وخسائر كبيرة نتيجة ذلك ولا ينفع بعدها محاسبتهم ومعاقبتهم فالأذى لحق بالمؤسسة والشركة وبكوادرها وبرأس المال العامل لينعدم الاستقرار الوظيفي لأفتقادنا الى مؤشرات حقيقية تقييمية لاداء المسؤولين وما حققته المؤسسة من انجازات ملموسة ومن تطور لكوادرها البشرية العاملة لان ذلك يعتبر وحدة متكاملة بالعمل المنسجم المتناغم مع الاداء لتحقيق الانتاجية .

المهندس هاشم نايل المجالي

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

تبرطعوا**

تبرطعوا**

حزيران 16

 

 

باسل الرفايعة ( الأردن ) الجمعة 16/6/2017 م ...

تبرطعوا** ...

خلافٌ داخل الخليّة نفسها. وعلى ماذا؟ على 'المزرعة' طبعاً، التي نَحْنُ فيها عبيدٌ، وأولادنا أقنانٌ، وأحفادنا عمّالُ سُخْرة. نجوعُ، ونحرثُ، ونحصدُ، فيجني المستشارُ والمديرُ رواتبَ وامتيازاتٍ وحظوات..!

شاعرُ السلطة حيدر محمود، يهاجمُ رئيسَ السلطة التنفيذية هاني الملقي، والسببُ أنّ رئاسةَ الوزراء، رفضتْ تجديدَ عقدِ المستشارِ فيها عمَّار حيدر محمود، فغضبَ الأبُ غضبةَ شاعرٍ، واستنكرَ الإطاحةَ بنجلهِ، في حين هبطَ فوزي هاني الملقي على مطار الملكة علياءِ الدولي، مديراً للخدماتِ فيه، قَبْلَ أسابيع.

أرسلَ الشاعرُ للرئيس، مستغرباً إقالةَ ابنهِ المستشارِ في الحكومةِ منذُ 2009، وكتبَ: 'شكراً للدولةِ، التي تُعيِّنُ ابنَ الرئيس في المنصبِ الذي يشتهيه.. سواءً أكانَ يستحقهُ، أو لا يستحقهُ، وتطردُ ابنَ شاعرها، الذي كانَ، وما يزالُ، مشروعَ شهيدٍ لها، منذُ أنْ كان'.

طبعاً، حيدر محمود، شاعرٌ غنائيٌّ مبدع، ومتمرِّسٌ في المديح. ودائماً كانَ مُقرّباً من الدولة، ووزيراً، وسفيراً، وعضوَ مجلسَ أعيان، ولا أعرفُ إذا كانت هذه المناصبُ، وتلك الحظوةُ، تؤهّلهُ ليكونَ 'مشروعَ شهيد'؟!

ما علينا. هذه أسرارُ الخليّةِ، ونواميسها. يُضيفُ الشاعرُ في رسالتهِ الخطيّة إلى الرئيس: 'إنّ فلذاتُ أكبادكم، ليست أعزُّ من فلذاتِ أكبادنا، إلا إذا كانَ لونُ الدم الذي يجري في شرايينها من فصيلةٍ أخرى'.

هذا كلامٌ دقيقٌ، فوزي هاني الملقي ليسَ أفضل من عمَّار حيدر محمود، والدمُ واحدٌ. دمٌ لا يجري في شرايين بناتِ الأردنيين وأولادهم، المصلوبين في قوائمِ ديوانِ الخدمة المدنية، منذُ سنوات. في المناسبة، الديوانُ أعلنَ أمس أنّ الشهرَ المقبلَ موعداً نهائياً للمتقدمين، في بلاد 'العدالةِ، وتكافؤ الفُرص'. وهو الديوانُ نَفْسَهُ الذي تجاهله عبدالله النسور وعاطف الطراونة، قبل عامين، وعيَّنا الأقاربَ والأنسباءَ، فتدفقتْ إلى الوظائفِ دماءٌ أخرى، من شرايين أخرى.

ما علينا أيضاً، فهذه بلادٌ مصابةٌ بالزهايمر. يختمُ الشاعرُ المدهشُ في بلاغته الرسالةَ، بالدعاء: 'قاتلَ اللهُ الظلمَ، ولعنَ الظالمينَ، بجاهِ ليلةِ القَدْرِ التي نزلَ فيها القرآن'.

آمين أيُّها الشاعرُ..

آمين أيُّها الرئيسُ..

آمينُ يا 'زيتونَ برما الداشر'..

'تبرطعوا' في بلادنا، أيُّها السادةُ. وَمَنْ مثلكم، يا 'مشاريعَ الشهادة'..

* منقول عن باسل الرفايعه

** تبرطعوا : كلمة بالعامّية الشامية ، وتعني ، اعملوا واصنعوا ورفّهوا أنفسكم بالطريقة التي تحلو لكم دون رقيب أو حسيب ...

المناورات العسكرية بين قبرص و"إسرائيل" تطور خطير ... يجب على الحكومة القبرصية أن تقدم توضيحات

 

المكتب الصحفي لحزب الشغيلة التقدمي القبرصي (أكيل) الجمعة 16/6/2017 م ...

المناورات العسكرية بين قبرص و"إسرائيل" تطور خطير ... يجب على الحكومة القبرصية أن تقدم توضيحات ...

لقد تأكد ان مناورات عسكرية كبيرة بين جمهورية قبرص واسرائيل تجري حالياً على الأراضي القبرصية، بمشاركة 400 من الكوماندوز من القوات الخاصة للجيش الاسرائيلي، من دون أن يصدر أي بيان رسمي عنها، سواءً من الحكومة القبرصية او الجانب الاسرائيلي. لكن هذه المناورات، وفقاً لما ذكرته القناة التلفزيونية لدولة قبرص، "لا تتعلق بحماية جمهورية قبرص والمنطقة الاقتصادية الخالصة لقبرص"، بل انه يجري استخدام منطقة ترودوس الجبلية لأن لها أوجه شبه مع تضاريس ومناخ جنوب لبنان وجنوب سورية. كما ينبغي الاشارة الى ان تحركات الجيش الاسرائيلي على حدود البلدان المجاورة تصاعدت مؤخراً.

ويعبّر حزب "أكيل" عن معارضته لهذه المناورات، التي لا تخدم مصالح بلادنا فحسب بل تزج بها ايضاً في مخططات عسكرية خطيرة، الى جانب جيش لا يزال قوة احتلال منذ 50 عاماً في الاراضي الفلسطينية. كما انها تبعث في الوقت نفسه رسائل خاطئة الى العالم العربي وعدد من البلدان المجاورة التي كان لقبرص دائماً علاقات ممتازة معها. وقد يبدو استغلال فكرة تشكيل محور مناهض لتركيا بين قبرص واسرائيل وبلدان اخرى جذاباً لجمهور قومي، ولكن كما ثبت مراراً فانه لا يمكن لاسرائيل، او أي بلد آخر، ان يدخل في صدام مع تركيا من اجل قبرص. وكان ينبغي للرسائل التي يتم بثها بشأن خطط الطاقة بين اسرائيل وتركيا ان تنهي منذ وقت بعيد أية أوهام حول ذلك.

ويؤكد "أكيل" مجدداً ان التعاون الاقليمي وذا المنفعة المتبادلة مع كل دول المنطقة مرحّب به، ولكن أي شكل من العسكرة لتعاون جمهورية قبرص مع اسرائيل خطير بالنسبة لقبرص وللسلام في المنطقة. كما نتذكر انه عندما أقر مجلس النواب في قبرص في آذار (مارس) الماضي "اتفاقية الوضع القانوني للقوات بين قبرص واسرائيل" (سوفا) – وكان "أكيل" الحزب الوحيد الذي صوت ضدها – اعترفت بقية احزاب المعارضة بأن الاتفاق كان ضاراً.

ان حكومة اناستاسياديس مطالبة بأن توضح للشعب لماذا تمضي قدماً بمثل هذه الافعال، وما إذا كانت تدرك بشكل كامل المخاطر التي تترتب عليها. ويعبّر "أكيل" عن قلقه بشأن هذا التطور ويحض الحكومة على إطلاع لجنة الدفاع في مجلس النواب على مبرر وطابع هذه المناورات.

"جيفارا" سيرة إنسان ... في الذكرى 89 لـ "إشراقه شمس الحرية"

 

ايهاب القسطاوى ( مصر ) الجمعة 16/6/2017 م ...

"جيفارا" سيرة إنسان ... في الذكرى 89 لـ "إشراقه شمس الحرية"...

إذا سألتم يوماً عن تشي جيفارا، أجيبوا: "عاش إنسان، ومات من أجل الإنسان، تحل اليوم الذكرى 89 لـ "إشراقه شمس الحرية"، على أصقاع المثقلة بالقهر والفقر والاستبداد، انه مولد الثائر الأممي إرنستو تشي جيفارا، "14 يونيو 1928 - 9 أكتوبر 1967"،

89 عاماً مرت على ميلاد إرنستو تشى رافاييل جيفارا دلاسيرنا ايقونة الثورة ووجهة المتطلعين إلى شمس الحرية في كل بقاع العالم، ولد ارنستو تشى جيفارا في 14 يونيو/حزيران 1928 في روزاريو، وأصيب بالربو منذ طفولته ولازمه المرض طوال حياته،

ومراعاة لصحة الطفل "تشي" المصاب بالربو استقرت أسرته في ألتا غراسيا في السيرا دو كوردوبا، وفيها أسس والده لجنة مساندة للجمهورية الإسبانية عام1937.

وفي 1944، واستقرت الأسرة في بيونس ايريس، ومنذ العام 1945 إلى عام 1953،

ويذكر عندما "تشي" طفلاً، عادا من المدرسة مبكراً، ذات يوم وعند وصوله إلى المنزل بدون حذاء سألته الخادمة:

"أين حذائك يا جيفارا"،

أجابها جيفارا:

"لقد أعطيته لزميلي لأنهم لم يسمحوا له بدخول المدرسة بدون حذاء، وهو لم يكن يمتلك حذاء، فأعطيته حذائي، ولا تقلقي لدى حذاء آخر على كل حال، فالإنسانية تولد ولا تكتسب.

أتم إرنستو بنجاح دراساته الطبية، وجعلته صلته بأكثر الناس فقراً وحرماناً وبالمرضى مثل المصابين بالجذام، وكذلك سفره المديد الأول عبر أمريكا اللاتينية، واعياً بالتفاوت الاجتماعي وبالظلم. إمتهن الطب، إلاّ أنه ظل مولعاَ بالأدب والسياسة والفلسفة.

سافر أرنستو تشي غيفارا إلى غواتيمالا عام 1954 على أمل الانضمام إلى صفوف الثوار لكن حكومة كاستيلو أرماس العميلة للولايات المتحدة الأميركية قضت على الثورة، لينتقل بعد ذلك إلى كوبا حيث التقى بفيدل كاسترو وأشعلوا الثورة ضد نظام حكم "باتيستا" الرجعي حتى سقوطه سنة 1959،

وتولى منصب رئيس المصرف الوطني سنة 1959، ووزارة الصناعة "1961 -1965"،

حصل تشي بالكاد على شهادته لما غادر من جديد الأرجنتين نحو رحلة جديدة عبر أمريكا اللاتينية،

وقد كان عام 1951، خلال رحلته الأولى، قد لاحظ بؤس الفلاحين الهنود، كما تبين استغلال العمال في مناجم النحاس بشيلي والتي تملكها شركات أمريكية،

وفي عام 1953 في بوليفيا والبيرو، مروراً بباناما وبلدان أخرى، ناقش مع منفيين سياسيين يساريين من كل مكان تقريباً، ولاسيما مع كاسترو وبين كوبيين.

تسيس، وفي تلك اللحظة قرر فعلاً الالتحاق بصفوف الثوريين، واعتبر نفسه آنذاك شيوعياً،

وفي العام 1954 توقف في غواتيمالا التي كانت تشهد غليانا ديمقراطياً في ظل حكومة جاكوب أربنز، وشارك تشي في مقاومة الانقلاب العسكري الذي دبرته المخابرات الأمريكية والذي أنهي الإصلاحات الزراعية التي قام بها أربنز،

وثقلت هذه التجربة فكره السياسي، والتحق آنذاك بالمكسيك، وهناك تعرف في تموز/ يوليو 1955 على فيديل كاسترو الذي لجأ إلى ميكسيكو بعد الهجوم الفاشل على ثكنة مونكادا في سانتياغو دو كوبا.

وجنده كاسترو طبيباً في البعثة التي ستحرر كوبا من ديكتاتورية باتيستا.

وهناك سمي بـ "تشي CHE" وهو تعبير تعجب يستعمله الأرجنتينيون عملياً في نهاية كل جملة، وفي حزيران/يونيو 1956 سجن تشي في مكسيك مع فيدل كاسترو ومجموعة متمردين كوبيين، واطلق سراحهم بعد شهرين،

وفي 1959 اكتسح رجال حرب العصابات هافانا برئاسة فيدل كاسترو واسقطوا الديكتاتورية العسكرية لفولجنسيو باتيستا،

هذا برغم تسليح حكومة الولايات المتحدة وتمويلها لباتيستا ولعملاء الـ CIA داخل جيش عصابات كاسترو،

دخل الثوار كوبا على ظهر زورق ولم يكن معهم سوى ثمانين رجلا لم يبق منهم سوى 10 رجال فقط، بينهم كاسترو وأخوه "راؤول" وجيفارا،

ولكن هذا الهجوم الفاشل أكسبهم مؤيدين كثيرين خاصة في المناطق الريفية، وظلت المجموعة تمارس حرب العصابات لمدة سنتين وخسروا نصف عددهم في معركة مع الجيش،

كان خطاب كاسترو سبباً في إضراب شامل، وبواسطة خطة جيفارا للنزول من جبال سييرا باتجاه العاصمة الكوبية تمكن الثوار من دخول العاصمة هافانا في يناير 1959 على رأس ثلاثمائة مقاتل، ليبدأ عهد جديد في حياة كوبا بعد انتصار الثورة وإطاحتها بحكم الديكتاتور "باتيستا"،

وفي تلك الأثناء اكتسب جيفارا لقب "تشي" الأرجنتيني، وتزوج من زوجته الثانية "إليدا مارش"، وأنجب منها أربعة أبناء.

بعد أن طلق زوجته الأولى، برز تشي جيفارا كقائد ومقاتل شرس جداً لا يهاب الموت و سريع البديهة يحسن التصرف في الأزمات، لقد تعدى جيفارا كونه طبيب بل أصبح قائداً برتبة عقيد، وشريك فيدل كاسترو في قيادة الثورة،

وقد أشرف كاسترو على إستراتيجية المعارك بينما قاد وخطط جيفارا للمعارك،

عرف كاسترو بخطاباته التي صنعت له وللثورة شعبيتها، لكن جيفارا كان خلف أدلجة الخطاب وإعادة رسم ايديولوجيا الثورة على الأساس الماركسي اللينيني،

صدر قانون يعطي الجنسية والمواطنية الكاملة لكل من حارب مع الثوار برتبة عقيد، ولم توجد هذه المواصفات سوى في جيفارا الذي عين مديرا للمصرف المركزي وأشرف على محاكمات خصوم الثورة وبناء الدولة في فترة لم تعلن فيها الثورة عن توجهها الشيوعي،

وما أن أمسكت الثورة بزمام الأمور - وبخاصة الجيش- حتى قامت الحكومة الشيوعية التي كان فيها جيفارا وزيراً للصناعة وممثلاً لكوبا في الخارج ومتحدثاً باسمها في الأمم المتحدة، كما قام بزيارة الإتحاد السوفيتي والصين،

واختلف مع السوفييت على إثر سحب صورايخهم من كوبا بعد أن وقعت الولايات المتحدة معاهدة عدم اعتداء مع كوبا،

تولى جيفارا بعد استقرار الحكومة الثورية الجديدة – وعلى رأسها فيدل كاسترو- على التوالي، وأحيانا في نفس الوقت المناصب التالية: سفير منتدب إلى الهيئات الدولية الكبرى، منظم الميليشيا، رئيس البنك المركزي، مسؤوول التخطيط، وزير الصناعة.

سافر تشي جيفارا إلى الكونغو ثم ظهر فجأة في بوليفيا.

لم يكن مشروع "تشي" خلق حركة مسلحة بوليفية، بل التحضير لرص صفوف الحركات التحررية في أمريكا اللاتينية لمجابهة النزعة الأمريكية المستغلة لثروات دول القارة.

منذ بداية عام 1967، وجد جيفارا نفسه مع مقاتليه العشرين، وحيداً يواجه وحدات الجيش المدججة بالسلاح بقيادة السي أي إيه في براري بوليفيا الاستوائية،

أراد جيفارا أن يمضي بعض الوقت في حشد القوى والعمل على تجنيد الفلاحين والهنود الحمر من حوله، ولكنه أجبر على خوض المعارك مبكراً،

وقد قام "تشي" بقيادة مجموعة من المحاربين لتحقيق هذه الأهداف، وقام أثناء تلك الفترة الواقعة بين 7 نوفمبر 1966 و7 أكتوبر 1967 بكتابه يوميات المعركة،

ألقي القبض على اثنين من مراسلي الثوار، فاعترفوا تحت قسوة التعذيب أن جيفارا هو قائد الثوار، فبدأت حينها مطاردة لشخص واحد.

بقيت السي أي أيه على رأس جهود الجيش البوليفي طوال الحملة، فانتشر آلاف الجنود لتمشيط المناطق الوعرة بحثاً عن أربعين رجلاً ضعفاء وجياع. قسم جيفارا قواته لتسريع تقدمها، ثم أمضوا بعد ذلك أربعة أشهر متفرقين عن بعضهم في الأدغال،

إلى جانب ظروف الضعف والعزلة هذه، تعرض جيفارا إلى أزمات ربو حادة، مما ساهم في تسهيل البحث عنه ومطاردته،..

وفي يوم 8 أكتوبر 1967 وفي أحد وديان بوليفيا الضيقة هاجمت قوات الجيش البوليفي المكونة من 1500 فرد مجموعة جيفارا المكونة من 16 فرداً، وقد ظل جيفارا ورفاقه يقاتلون 6 ساعات كاملة وهو شيء نادر الحدوث في حرب العصابات في منطقة صخرية وعرة، تجعل حتى الاتصال بينهم شبه مستحيل، وقد استمر "تشي" في القتال حتى بعد موت جميع أفراد المجموعة رغم إصابته بجروح في ساقه إلى أن دمرت بندقيته "م-2" وضاع مخزن مسدسه وهو ما يفسر وقوعه في الأسر حياً،

نقل "تشي" إلى قرية "لاهيجيرا"، وبقي حياً لمدة 24 ساعة، ورفض أن يتبادل كلمة واحدة مع من أسروه.

وفي مدرسة القرية نفذ ضابط الصف "ماريو تيران" تعلىمات ضابطيه: "ميجيل أيوروا" و"أندريس سيلنيش" بإطلاق النار على "تشي"،

دخل ماريو عليه متردداً فقال له "تشي": "أطلق النار، لا تخف"، إنك ببساطة ستقتل مجرد رجل"،

لكنه تراجع، ثم عاد مرة أخرى بعد أن كرر الضابطان الأوامر له فأخذ يطلق الرصاص من أعلى إلى أسفل تحت الخصر حيث كانت الأوامر واضحة بعدم توجيه النيران إلى القلب أو الرأس حتى تطول فترة احتضاره، إلى أن قام رقيب ثمل بإطلاق رصاصه من مسدسه في الجانب الأيسر فأنهى حياته،

وقد رفضت السلطات البوليفية تسليم جثته لأخيه أو حتى تعريف أحد بمكانه أو بمقبرته حتى لا تكون مزاراً للثوار من كل أنحاء العالم.

وقد شبت أزمة بعد عملية اغتياله وسميت بأزمة "كلمات جيفارا" أي مذكراته، وقد تم نشر هذه المذكرات بعد اغتياله بخمسة أعوام وصار جيفارا رمزاً من رموز الثوار على الظلم،

فقد نشر فليكس رودريجيس، العميل السابق لجهاز المخابرات الأميركية "CIA"عن إعدام تشي جيفارا،

في العام 1997م كشف النقاب عن جثمانه وأعيد إلى كوبا، حيث قام الرئيس الكوبي السابق الراحل فيدل كاسترو بدفنه بصفة رسمية، وكانت اخر كلمات نطقها، تشى جيفارا، قبل أيام من إعدامه:

"أنا لا أؤمن بديانة أو مذهب محدد، أنني أؤمن بأن الله هو كل شيء وأن الحرية هي الأنسان،.

وتشير شهادة الوفاة التي صدرت في 10 اكتوبر 1967 من قبل الدكتور موسيس ابراهم بابتيستا و خوسيه مارتنيز كازو، مشفي Night of Mlte بفالي غراندي ببوليفيا،

يشار إلى أن في 9 اكتوبر الساعة 5 و النصف، وصل الجثمان و قال فرد السلطات العسكرية انها جثة ارنستو جيفارا لينش البالغ من العمر 40 عامًا تقريبًا،

سبب الوفاة هو الإصابة بعدة أعيرة نارية في الصدر و الاطراف، المرفق رقم 2- تقرير المشرحة،

صدر تقرير المشرحة في 10 اكتوبر 1967 من قبل الدكتور ابراهم بابتيستا و مارتنيز كازو،

يشير التقرير الى ان الجثة المعروفة بـ اسم ارنستو جيفارا كانت في الأربعين من العمر، بشرة بيضاء، طول 1.73 متر تقريبًا، شعر بني مجعد، لحية كثيفة مجعدة و شارب، حواجب كثيفة، انف مستقيم، شفاه ممتلئة، فم مفتوح، اسنان في حالة جيدة مع ملاحظة وجود بقايا نيكوتين، غماز في الجهة اليسرى، عيون زرقاء خفيفة، لياقة جسدية عادية، ندوب تقريبًا على طول الجانب الأيسر من الخلف، الفحص المبدئي أظهر ما يلي:-

1- طلقة في الجهة اليسرى من الترقوة مع الخروج من عظام الكتف

2- طلقة في الجهة اليمنى من الترقوة مع حدوث كسر في تلك المنطقة بدون الخروج

3- طلقة مستقرة في الجانب الأيمن

4- طلقتان في الجانب الأيسر، مع الخروج من الظهر

5- طلقة في الجانب الأيسر من الصدر ما بين الفقرتين التاسعة والعاشرة مع الخروج من الجانب الأيسر

6- طلقة في الجزء الثالث السفلي من الفخد الأيمن

7- طلقة في الجزء الثالث السفلي من الفخد الايمن في منطقة سيتون

8- طلقة في الجزء السفلي من الساعد الأيمن مع كسر عظام الزند

-عند فتح الصدر وجد إصابة في قمة الرئة اليسرى بجروح طفيفة من الإصابة الأولى،

وتذكر الوقائع التاريخية، انه بعد القبض على "تشي جيفارا" وإعدامه في 9 أكتوبر 1967، قام قاتلوه بدعوة المصورين لإلتقاط صورة، ليثبتوا للجميع أن هذا هو موت "تشي العظيم"،

ولكن صورة التي التقاطها حينذاك أضافت تأثيراً عميقاً لإسطورة " تشي جيفارا "، وهو الخوف في أعين قاتليه حتى بعد وفاته،

جيفارا لم يمت، جيفارا عاش في قلوب وعقول الملايين.

واليوم في هذه المناسبة اسمحوا لي ان أقدم لكم نصًا مترجمًا من "The Motorcycle Diaries"، يوميات رحلته في أمريكا اللاتينية قبل انخراطه في الثورة،

فلندع جيفارا الإنسان يتحدث عن نفسه:

"السبت، الرابع عشر من حزيران، 1952، ها أنا، أصل هرمًا إلى جيل 24، إنها حدود ربع القرن القدريّة، زواجي الفضّي مع الحياة التي لم تظلمني ظلمًا مبالغًا فيه. ذهبت إلى النهر منذ الصباح لأسترد حظّي مع الأسماك، إلا أن الصيد مثل القمار:

في البداية تبدأ بالربح، ثم تأتي الخسارة.

في المساء لعبنا مباراة كرة قدم، ووقفت حارسًا للمرمى مثل العادة، إلا أنني نجحت أكثر من المرات السابقة،

في الليل، بعد وجبة عشاء كبيرة وشهيّة في بيت الدكتور برشياني، نُظمت على شرفنا حفلة في غرفة الطعام، كان فيها الكثير من المشروب الوطني- بيسكو.

كان ألبيرتو قد مر بتجربة معينة مع تأثير هذا المشروب على جهازه العصبي.

وعند نشوة المزاج رفع رئيس الجالية كأسًا وحيّانا بكلمات ودودة جدًا.

أما أنا، وبعد أن كنت غارقًا في البيسكو، نجحت بأن أقول شيئًا من هذا القبيل،

حسنًا، إني أشعر بأنه من واجبي شكر الدكتور برشياني أكثر بكثير مما هو مألوف،

إلا أنه في وضعنا التعيس، ليس بإمكاننا أن نعبر عن شعورنا إلا بالكلمات، وعبر الكلمات أود أن أعبر عن شكري -أنا وصديقي في السفر- لكل العاملين في الجإلىة على الود والصداقة الطيبة التي أبديتموها، وعلى احترامكم لنا دون أدنى معرفة مسبقة بنا.

وبالطبع، أشكركم على شرف احتفالكم بعيد ميلادي كأنه مناسبة شخصية لكل واحد منكم.

وشيء إضافي:

في الأيام القليلة القادمة سنترك أرض بيرو.

إذن، فلكلماتي يوجد داع آخر؛ أن نقول الوداع. بودّي أن أشكركم من كل قلبي، لكم ولكل أبناء هذا البلد الذين غمرونا فضلًا دون أي تردد منذ وصلنا إلى هنا عابرين حدود تكنا،

والآن أود أن أضيف أمرًا آخر وإن كان خارجًا عن الموضوع:

بالرغم من أننا نصغر أمام الخطابة لأجل هذا الهدف، إلا أننا نؤمن –خاصةً بعد هذه الرحلة- بأن أمريكا مقسّمة لوحدات وطنية وهمية ودون أي أساس.

من المكسيك حتى مضيق ماغيلان، كلنا أبناء عرق مختلط واحد، وبيننا قواسم قومية واضحة توحدنا، لذلك أحاول قدر المستطاع أن أمتنع من كل محدودية في نفسي، أو ضيق أفق.

لذا، فلنشرب الآن نخب بيرو، ونخب أمريكا الموحدة، لقد لاقى خطابي تصفيقًا وهتافا حارّيْن.

الحفلة انتهت عند الثالثة فجرًا، بعد أن تحولَت في هذا الجزء إلى سعي للقضاء على أكبر كمية.

الصفحة 5 من 499