كل خميس

مفهوم السياسة والحقوق الوطنية

 

 

د. فايز رشيد ( الخميس ) 22/6/2017 م ...

مفهوم السياسة والحقوق الوطنية ...

إن إحدى الحلقات المركزية في دور المنطق السياسي هي نقد الثقافة السياسية السلبية, التي تحاول التسيد كظاهرة ذات تأثير سياسي عميق رغم لا منطقيتها, بغية تخليصها من الانحرافات التي تمنعها من تحقيق قيمها السلبية على أرض الواقع.. كذلك فإن دور السياسة يكمن في تطوير العوامل الإيجابية في الثقافة السياسية, من أجل العمل على امتدادها أفقيا في المجتمع, ومنهجتها في مؤسسات…

لو أن رائد المنطق أرسطو عاش في مرحلتنا الراهنة, لأثار استغرابه في زمننا, لا منطقية السياسات العربية, فلا يصعب على المراقب راهنا, الحضور المكثف للسياسات الرائجة تحت مسمى “الواقعية السياسية”, والذي يمكن أن تندرج تحته الأخطاء والخطايا. قال وينستون تشرشل في زمن مضى: “ليس في السياسة عدو دائم, ولا صديق دائم, بل مصالح دائمة”. وأيضا قال: “حين تصمت النسور تبدأ الببغاوات بالثرثرة”. وفي إحدى المرات استشرف المستقبل الآتي, وتوقع أن تكون امبراطوريات المستقبل, تحت سلطة العقول فقط. بالتأكيد لو عاش في زمننا (وبرغم أن دولته, هي التي هيأت أرضية إقامة الكيان الصهيوني عنوةً, على حساب اقتلاع شعب أصيل من أرضه), ورأى بأُم عينيه السياسات الدولية الحالية, كما مذابح وجرائم الكيان (وبخاصة أنه عاصر جزءًا منها, في المذابح التي ارتكبتها العصابات الإرهابية الصهيونية بمساعدة القوات البريطانية ضد شعبنا وأمتنا), لأخضع مقولاته الآنفة الذكر إلى التغيير! فكل الإمبراطوريات التي جاءت من بعده, وصولا إلى القوة العظمى الحالية, هي أبعد ما تكون عن سلطة العقول, بل هي أقرب إلى سلطة البلطجة, أقرب منها إلى أية سلطة إنسانية أخرى!

وبالعودة إلى تعبير “الواقعية السياسية”, ونظرا لترداده كثيرا على المسامع, أصبح متماهيا كحصيلة معرفية ابستمولوجية مع القبول السيكولوجي له, قبل الشروع في تطبيقه واقعا تجاه حدث سياسي أو ظاهرة سياسية ما, أيا كانت طبيعة القرار السياسي المتخذ, أو في أي مصلحة يصب, حيث أصبح التعبير أمرا واقعا مقبولا كمفهوم ومسلك أيضا. لقد أصبحنا نعيش كلمة نرددها من دون تمحيص في أبعادها, بل نستعملها بشكل روتيني, فمثلا “شريعة الغاب” هي السائدة راهنا, بكل ما يعنيه ذلك تعبيريا من اختصار لجهود مضنية, أصبحت تتبلور في البحث عن “الحلول الأسهل” في مواجهة التحديات! وإن تنافت مع القيم الأخلاقية المجردة والأخرى المطلقة, فليس صحيحا أن الأخيرة تتنافى مع الثقافة السياسية, مثلما يقولون! بحيث أصبحت تعبيرا عن مصالح الفئات الاقتصادية ـ الاجتماعية, التي لها الغلبة في المجتمعات, بعيدا عن قيم العدالة, المساواة, الإخاء والتعاون, في شوط يزداد ابتعادا عن القيم الجمعية التي تهدف إلى بناء الذات الإنسانية, المنسجمة مع مواجهة تحديات العصر على كافة الأصعدة, وفي ابتعاد واضح أيضا عن المطلق “كمثل” معرفي أعلى, يحدد في المجال الأبرز, وهو التماهي في العلاقة بين الحاكم والمحكوم, بالتالي بتنا نشهد انفصاما تاما في العديد من الدول, بين الطرفين بشكليه النسبي والمطلق.

هذا “المطلق” هو في حقيقته بمثابة دساتير/قوانين مفترضة في الشرائع الاجتماعية والقانونية المُعاشة. كل الذي سبق يعني اندثار المحاولة الجادة, لصالح سياسة “الواقعية السياسية”, وبأن “السـياسة هي فن الممكن”, من خلال “المسك من اليد الموجعة” بما قد يؤدي بالحتم إلى عملية الانحدار المتدرج هبوطا, وصولا إلى السقوط السياسي, بكل تداعياته, اجتماعيا, معرفيا, اقتصاديا, عسكريا وثقافيا.

بتنا في زمن يسعى الحاكمون فيه إلى جمع أكبر عدد من المؤيدين المتعاطفين معهم, بالطبع! أصبح المتعاطفون محكومين بحالة شعورية مزاجية مصلحية بالدرجة الأولى, بعيدا عن القناعات الفكرية بصحة الخطوات السياسية المُنتهجة. وإن وجدت المعتقدات الفكرية لتأييد الخطوات السياسية الجديدة, فإنما تنبع من مفاهيم القبيلة, العشيرة, المذهب, الطائفة والدين, على قاعدة “أنصر أخاك ظالما أو مظلوما” ولكن على قاعدة, هي الأخذ بنصرة الأخ الظالم وتهيئة استمراريته في ممارسة الظلم, من دون إيضاح جوهر ظلمه, وحتى محاولة ردعه عنه. حتى اللحظة, فإن تعريفا محددا للمنطق السياسي, لم تجر صياغته, انطلاقا من الزوايا العديدة التي يتم النظر من خلالها إليه, وانطلاقا من رؤية دوره: إن بالمشاركة في عملية التغيير السياسي, أو في سياسة التغيير المجتمعي. فلطالما تحدث الفلاسفة والمفكرون عن تعريفات وأدوار شتى لمن يحمل لواء التغيير السياسي نحو الأفضل. ولعل من أقرب التعريفات إلى الواقع, ما ذكره غرامشي في تعريفه أيضا لمعنى “المثقف السياسي”, منطلقا مما هو خاص بنمط الإنتاج في الوجود الاجتماعي… وإذ ذاك فإن عملية التغيير تنتقل من عالم الأفكار واهتمامات ذوي الاختصاص, إلى عالم الصراع الاجتماعي, فهو الذي يعيد صياغة المنطق السياسي, الذي يجعل من الممارسة لحظة داخلية في مجمل عملية التغيير, وهكذا دواليك.

إن إحدى الحلقات المركزية في دور المنطق السياسي هي نقد الثقافة السياسية السلبية, التي تحاول التسيد كظاهرة ذات تأثير سياسي عميق رغم لا منطقيتها, بغية تخليصها من الانحرافات التي تمنعها من تحقيق قيمها السلبية على أرض الواقع.. كذلك فإن دور السياسة يكمن في تطوير العوامل الإيجابية في الثقافة السياسية, من أجل العمل على امتدادها أفقيا في المجتمع, ومنهجتها في مؤسسات, على طريق تحويلها إلى ممارسة عملية واقعية معاشة. ولو فصّلنا ما سبق على أرض الواقع نرى انتشارا متسارعا للسياسات اللامنطقية، في محاولة تحويل وتحوير اتجاه المعركة السياسية الرئيس, إلى اتجاه نقيض تحت دعاوى كثيرة: اللاجدوى، التعامل مع الواقع.. مقولات مثل: اللاجدوى من المقاومة, عبثية المقاومة وغيرها من المقولات, التي كانت قد أخذت تنتشر منذ سنوات, وقد حدّ من اندفاعة انتشارها في قطاعات عريضة في الواقع العربي, تجارب صمود المقاومات الفلسطينية والعربية, في وجه الاعتداءات الصهيونية والغربية على أكثر من بلد عربي في العقود الأخيرة, كذلك ما تحققه كل من المقاومات من إنجازات مهمة على أرض الواقع رغم رداءة الوضع السياسي!

الحقوق الوطنية لشعبنا الفلسطيني كلّ واحد لا يتجزأ, والموقف منها لا يحتمل لونا رماديا على وجه الإطلاق, فإما حقوق أو لا حقوق! فهي إما أبيض أو أسود. كذلك الموقف من الوجود الصهيوني في منطقتنا العربية, لا يحتمل التأويل, ولا مجال هنا لانطباق التعريفات السياسية السابقة عليه, ولا مجال لدعوة البعض إلى أهمية تبني العقلانية السياسية, ولا الواقعية ولا الممكن السياسي. هكذا كانت المواقف الجذرية الصحيحة من دول العالم تجاه الفاشية والنازية, لا حلول وسط معهما. الصهيونية أكثر خطرا منهما مجتمعتين، إضافة إلى كل التيارات المتوحشة التدميرية في الحقيبة التاريخية الماضية, لذلك لا تعايش معها إلا باجتثاثها كظاهرة عفنة من الوجود الإنساني. ما يؤكد صحة ما ذهبنا إليه, أن كل المصالحات التي قُدمت للدولة الصهيونية, رفضتها! بالتالي, ألا يستفيد البعض من التاريخ ودروسه؟ السؤال برسم كل من يؤمن بإمكانية إقامة السلام يوما مع هذا التيار المابعد نازي, المعبّر عنه في تمثيله السياسي القائم.

هل بدأ تقسيم العراق رسميا؟

 

 

د.فايز رشيد ( الأردن ) الأحد 11/6/2017 م ...

هل بدأ تقسيم العراق رسميا؟ ...

إن بوادر الاستقلال الكردستاني ظهرت بوضوح من خلال سياسة الإقليم النفطية مؤخرًا, التي نجحت في اجتذاب شركات البترول العالمية, ورغبتها في تأمين تصدير النفط الكردي عبر الأنبوب التركي, رغم معارضة الحكومة العراقية, الأمر الذي دفع بالأخيرة إلى إعلان أن إقليم كردستان فقد حقه في الموازنة بسبب قراره تصديره للنفط منفردًا.”
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إعلان رئاسة كردستان العراق, تنظيم استفتاء حول استقلال الإقليم في 25 أيلول/سبتمبر 2017 ,رغم معارضة السلطة المركزية في بغداد, هو خطوة جدّية نحو انفصال الإقليم الكردستاني عن العراق.مع العلم, أن الإقليم يتمتع بالحكم الذاتي منذ عام 1991. وحتى يخفف رئيس الإقليم مسعود البارزاني من وقع الخطوة ,ألحق الاستفتاء, بجملة “أنه غير ملزم على الاستقلال, مضيفا..إن الاستفتاء لا يعني إعلان قيام الدولة, لكن ما يعنيه هو معرفة إرادة ورأي الشعب إزاء الاستقلال, فعلى القيادة السياسية الكردية تنفيذ إرادة الشعب في الوقت المناسب والظروف المناسبة “.للعلم,لطالما دعا رئيس الإقليم في السابق إلى إجراء استفتاء على الاستقلال في كردستان, لكنه لم يكن يحدد موعدا لإجرائه. كما شار أيضا, إلى أن “الوقت قد حان ,والموقف مناسب الآن للشعب الكردي لاتخاذ قرار من خلال استفتاء على مصيره”.
لقد سعى أكراد العراق في السنوات الأخيرة،, لتعزيز النزعة الانفصالية في كردستان, من خلال بناء خط أنابيب نفط إلى تركيا, وتصدير النفط في شكل مستقل, في وقت, ضعفت العلاقات فيه مع الحكومة المركزية في بغداد, بسبب تقاسم السلطة وعوائد النفط. تاريخيا, لقد قاومت القوى الإقليمية الطموحات الكردية للاستقلال, خصوصا الدول المجاورة للعراق, التي توجد فيها أقليات كردية كبيرة. من جانبها, أكدت الولايات المتحدة في وقت سابق, أنها تريد أن يبقى أكراد العراق جزءا منه”. من جهته رد البارزاني على هذه المواقف, بالقول: “إنه إذا انتظر شعب كردستان أن يأتي أحد آخر, ليقدم له حق تقرير المصير منحةً, فإن الاستقلال لن يتحقق أبدا”, وشدد على أن هذا الحق موجود, ولا بد أن يطالب به شعب كردستان, وأن يضعه حيز التنفيذ. ويرى البعض مثل هذه الدعوات للاستقلال, محاولة لتشتيت الانتباه عن القضايا الداخلية, وتوحيد الشعب الكردي وراء البارزاني الذي انتهت فترة رئاسته العام الماضي, لكنه ما زال في المنصب.
جاءت تصريحات برزاني هذه لتشعل موجة جدل كبيرة, بين من يراها مقدمة لتفتيت العراق ,ومن بعده إعادة ترسيم حدود المنطقة بأكملها ,وبين من يرى أن استقلال الإقليم هو أمر واقع بدأ في التسعينات,وتم ترسيخه خلال سنوات ما بعد الاحتلال.الإقليم يشترك بحدوده مع كل من إيران وتركيا وسوريا إضافة بالطبع إلى العراق. تحمل مطالبات كردستان العراق بالاستقلال, جذورًا تاريخية تمتد إلى حلم الأكراد بإنشاء دولة كردستان الكبرى, ذلك منذ الاستقلال عن الدولة العثمانية, ومن أجل ذلك, خاضوا حربا طويلة مع الأنظمة العراقية,إلا أنه وفي عام 1975 أنهت “اتفاقية الجزائر” بين شاه إيران وصدام حسين (نائب الرئيس العراقي آنذاك), ما يعرف تاريخيًّا بالثورة الكردية (التي امتدت من عام 1961 – 1975), وجرى الاتفاق على إعطاء حكم ذاتي لهم.
في أعقاب استيلاء داعش على الموصل ألقى مسؤولو كردستان باللائمة على الحكومة المركزية, بسبب تعمد الأخيرة تهميشهم. لقد استغل الأكراد الحرب الداخلية العراقية لتعزيز سلطتهم على الإقليم, والاستيلاء على كركوك, الأمر الذي أثار حفيظة الحكومة العراقية, لكن فلاح مصطفى وزير العلاقات الخارجية في كردستان يرى أن ماحدث ليس إلا تصحيح للخطأ, وتطبيق واقعي للمادة 140 من دستور 2005 التي نصت على إجراء إحصاء في كركوك, يعقبه استفتاء حول رغبة سكان المدينة في البقاء ضمن الجزء العربي من العراق, أم الانضمام إلى كردستان, وهو الاستفتاء الذي لم يتم.
تنتج كردستان حالييا قرابة 165 ألف برميل من النفط يوميا,وتقوم بتصدير النفط عبر خط أنابيب خاص بها إلى العراق وتركيا, ويرى السياسيون الأكراد أن كردستان ينبغي أن تكون وحدة اقتصادية قائمة بذاتها, ومع استيلاء الأكراد على مدينة كركوك التي “يقطنها مزيج من العرب والكرد والتركمان” ,يتوقع أن يرتفع إنتاج الإقليم إلى 300 ألف – 400 ألف برميل يوميا, لأن حقل كركوك يعتبر أكبر حقول النفط في العراق . إن بوادر الاستقلال الكردستاني ظهرت بوضوح من خلال سياسة الإقليم النفطية مؤخرا, التي نجحت في اجتذاب شركات البترول العالمية, ورغبتها في تأمين تصدير النفط الكردي عبر الأنبوب التركي, رغم معارضة الحكومة العراقية, الأمر الذي دفع بالأخيرة إلى إعلان أن إقليم كردستان فقد حقه في الموازنة بسبب قراره تصديره للنفط منفردا.
بالنسبة للولايات المتحدة, تبدو رافضة لتصريحات مسؤولي الإقليم بشأن الاستقلال, خشية أن يؤثر هذا القرار على الأوضاع في المنطقة خاصة في سوريا والعراق, وهو ما قد يحمل الأجندة الأميركية فشلًا سياسيا جديدا لا تحتمله الآن, حيث يبدو أنها تفضل “الشكل الفيديرالي” كنموذج لتسوية المشكلة العراقية. بالنسبة للجانب الإسرائيلي, فإن الدعم الذي أبداه رئيس الوزراء الصهيوني بنيامين نتنياهو لتصريحات باررزاني لم يكن مفاجئًا, فهذا الموقف هو في الواقع مزيج من نظرية ديفيد بن غوريون القائلة بضرورة إقامة تحالفات مع الأقليات في المنطقة ودول الطوق الثالث”, أي الدول التي ليس لديها حدود مشتركة مع دولة الكيان,لكن تجمعها مصالح مشتركة معها. فتعاون الكردستاني- الصهيوني ليس جديدا.
من ناحيتها, ترتبط تركيا بعلاقات جيدة جدا مع حكومة كردستان, وبخاصة في المجال النفطي, ولا يبدو أن الإقليم قادر على المغامرة بهذه العلاقة في الوقت الحالي, وفقدان بوابته النفطية الوحيدة إلى العالم. رغم ذلك تعارض تركيا بشكل كبير, استقلال كردستان العراق, منطلقة من موقف يدعو إلى وحدة العراق, وهو موقف جيوسياسي في المقام الأول, حيث تخشى أنقرة من أن يؤدي استقلال كردستان, إلى تعزيز مطالبات الأكراد في شمال شرق تركيا بالاستقلال أيضا, حيث تسعى حكومة العدالة والتنمية إلى إدماج أكراد تركيا في إطار الدولة التركية. إيران هي الأخرى تحمل قلقا مماثلا تجاه أكراد إيران, خاصة مع نشوب مواجهات مسلحة, بين الجيش الإيراني وفصائل كردية مسلحة.
جملة القول, لا شك أن لأكراد العراق الحق في نيل كافة حقوقهم, لكن على أرضية وحدة الأراضي العراقية, فالانفصال عن جسد الدولة العربية, وفي هذه الظروف تحديدا, يصب في مجرى المؤمرات متعددة الأطراف, الهادفة إلى تفتيت الدولة .

رداً على أضاليل نتنياهو حول القدس

 

د. فايز رشيد ( الخميس ) 1/6/2017 م ...

رداً على أضاليل نتنياهو حول القدس ...

عقدت حكومة الاحتلال الصهيوني جلستها الأسبوعية الأحد الماضي، في واحد من الأنفاق، التي تم حفرها تحت الحرم القدسي الشريف والمسجد الأقصى المبارك، تزامن ذلك مع إحياء الكيان لعدوانه الحزيراني الغاشم عام 1967 واحتلاله باقي الأراضي الفلسطينية وأراضٍ عربية أخرى.

عقد الجلسة في النفق وفي هذا الوقت بالذات، يحمل عنوانا رئيسياً واحداً، أن لا انسحاب إسرائيلياً من القدس، التي ستظل «موحدة كعاصمة أبدية وخالدة لإسرائيل». في الجلسة نفسها، أقرت حكومة الاحتلال رصد ميزانيات إضافية بعشرات ملايين الدولارات، لتسريع سلسلة من المشاريع الاستيطانية في القدس المحتلة. كما أقرت رصد ميزانية اضافية تفوق 13 مليون دولار لمشاريع في البلدة القديمة في المنطقة القريبة من الحرم القدسي وحائط البراق، من بينها بناء مصاعد وممرات تحت الأرض، للوصول إلى ما يسمى «حارة اليهود» في البلدة، وصولا إلى حائط البراق. يشمل المشروع تطوير البنية التحتية بهدف تشجيع اليهود والسياح الأجانب على زيارة حائط البراق.

وحسب ما ذكرته صحيفة «معاريف» الإسرائيلية، فإن هذا المشروع الاستيطاني يتطلب إجراء حفريات واسعة تحت الأرض وتحت ساحة البراق، الأمر الذي سيهدد الآثار العربية والإسلامية في المنطقة بالاندثار، حيث يهدف أيضا إلى تحويل الساحة إلى مركز لليهود للسيطرة التامة على تلك المنطقة. كما تمت المصادقة على مشروع قطار هوائي (تلفريك) يربط محطة القطارات في القدس بحائط البراق، بهدف تسهيل وصول 130 ألف مستوطن إلى الحائط. وهذا المشروع معروض على شركات عالمية لتنفيذه، وكانت شركة فرنسية قد أعلنت انسحابها قبل عدة أشهر من هذا المشروع، بسبب اختراقه للمنطقة المحتلة منذ عام 1967.

من جانبه ، كان رئيس بلدية الاحتلال نير بركات قد أعلن في وقت سابق، عن انطلاق التخطيط لمشروع التلفريك، ليشمل محطات في قلب أحياء فلسطينية، وبشكل خاص في حي سلوان، المجاور للحرم القدسي الشريف والمسجد الأقصى المبارك. إذ تبين أيضا أن بلدية الاحتلال ماضية في المخطط، رغم الاعتراضات الدولية عليه.

جاء عقد حكومة الاحتلال لجلستها تحت المسجد الاقصى المبارك، بعد أيام من زيارة الرئيس الأمريكي ترامب لحائط البراق، (المسمى لدى العدو «الحائط الغربي لهيكل سليمان» المزعوم) وفقا للطقوس اليهودية. وبعد تصريحاته المتصهينة، وقد أثبت فيها أنه يقف على يمين نتنياهو وليبرمان، إلى الحد الذي تسابقت فيه الأحزاب الأكثر تطرفا في الكيان الصهيوني، إلى إعطائه عضوية شرف في صفوفها. بالتأكيد فإن نتنياهو يحاول استغلال تصريحات ترامب، لإضفاء نوع من الاعتراف الأمريكي على يهودية القدس،. أهم، ما قاله رئيس الوزراء الصهيوني في كلمته بمناسبة ما أسماه «إحياء الذكرى الـ 50 لتحرير يروشلايم وإعادة توحيدها»، إنه من خلال انعقاد جلسة الحكومة الأسبوعية في أنفاق الحائط الغربي، في المكان الذي بنى فيه الملك شلومو الهيكل الأول، «وفيه بنى العائدون من المنفى في بابل الهيكل الثاني، وبعد خرابه، كان هذا المكان القلب النابض لأشواق شعب إسرائيل على مر أجيال». واستطرد بالقول «بأن آلاف السنين مرّت قبل عودة الشعب اليهودي إلى وطنه، وعزمه على بناء عاصمته الموحدّة».

أضاليل ما بعدها أضاليل، حاول نتنياهو وحكومته تسويقها حول يهودية القدس. فلسطين والقدس بضمنها، عربية خالصة، هذا ما تقوله حقائق التاريخ. المؤرخ الإغريقي هيرودوت يؤكد على «أن فلسطين جزء من بلاد الشام»، المؤرخون الفرنجة يؤكدون باجماع بالنص: «أن فلسطين ديار عربية»، المؤرخ الشهير هنري بريستيد يذكر بالحرف «أن القدس هي حاضرة كنعانية». بالطبع الكنعانيون هم قبائل عربية، ولهذا أطلق على فلسطين اسم «بلاد كنعان». اليبوسيون العرب استوطنوا الأرض الفلسطينية منذ 4000 عام قبل الميلاد، واستوطنوا منطقة القدس عام 2500 ق.م. القدس عربية قبل ظهور الدين الإسلامي الحنيف، التأريخ لعروبتها لا يبدأ من الفتح العربي الإسلامي لها في عام 638 م مثلما يذهب العديد من المؤرخين للأسف. الخليفة الأموي مروان بن عبدالملك بنى مسجد قبة الصخرة والقبة ذاتها، تأكيداً لدخول الإسلام إلى المدينة. أما أصل ما يعتمد عليه اليهود من تسمية القدس بـ»أورشاليم» ، فالأصل في هذه التسمية: أن اليبوسيين العرب هم من أطلقوا عليها الاسم وأسموها «أورسالم « أي «مدينة السلام»، بالتالي لا علاقة للاسم باليهود لا من قريب أو بعيد، ولا تاريخ لهم في مدينتنا، لذا انتقل صلاح الدين الأيوبي إليها مباشرة بعد معركة حطين، واعتبرها المفتاح الرئيسي لتحرير باقي المناطق الفلسطينية. هذه نتف صغيرة من حقائق مدينة القدس التاريخية وارتباطها العضوي بالعروبة والإسلام ، بعد بضعة عقود من ظهوره.

بالمقابل، اعترف أبو الآثار (لقب يطلق عليه في إسرائيل)، وهو عالم الآثار الإسرائيلي الأبرز إسرائيل فلنكشتاين من جامعة تل أبيب، بعدم وجود أي صلة لليهود بالقدس. جاء ذلك خلال تقرير نشرته مجلة «جيروزاليم ريبورت» الإسرائيلية منذ بضعة أشهر، توضح فيه وجهة نظر فلنكشتاين، الذي أكد لها: أن علماء الآثار اليهود لم يعثروا على شواهد تاريخية أو أثرية تدعم بعض القصص الواردة في التوراة، كقصة انتصار يوشع بن نون على كنعان .وشكك فلنكشتاين في قصة داوود الشخصية التوراتية، الأكثر ارتباطاً بالقدس، حسب المعتقدات اليهودية، فهو يؤكد على انه لا يوجد أساس أو شاهد إثبات تاريخي على اتخاذ اليهود للقدس عاصمةً لهم، وأنه سيأتي من صلبهم من يشرف على بناء ما يسمى بـ (الهيكل الثالث)، وأنه لا وجود لمملكتي يهودا وإسرائيل، وأن الاعتقاد بوجود المملكتين هو وهم وخيال. كما أكد عدم وجود أية شواهد على وجود «إمبراطورية يهودية تمتد من مصر حتى نهر الفرات»، وإن كان للممالك اليهودية (كما تقول التوراة) وجود فعلي، فقد كانت مجرد قبائل، وكانت معاركها مجرد حروب قبلية صغيرة. أما في ما يتعلق بهيكل سليمان، الذي تحدث عنه نتنياهو، فلا يوجد أي شاهد أثري يدلل على أنه كان موجوداً بالفعل. من جانبه، قال رفائيل غرينبرغ وهو عالم آثار يهودي ويحاضر في جامعة تل أبيب: «إنه كان من المفترض أن تجد إسرائيل شيئاً حال واصلت الحفر لمدة ستة أسابيع، غير أن الإسرائيليين يقومون بالحفر في القدس لأعوام دون العثور على شيء». من زاوية ثانية، اتفق البروفيسور يوني مزراحي، وهو عالم آثار مستقل، عمل سابقاً مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، مع رأي سابقيْه قائلاً: «لم تعثر إسرائيل حتى لو على لافتة مكتوب عليها «مرحباً بكم في قصر داود»، واستطرد قائلاً: ما تقوم به إسرائيل من استخدام لعلم الآثار بشكل مخّل، يهدف إلى طرد الفلسطينيين الذين يعيشون في القدس وتحويلها إلى مدينة يهودية».

بالطبع، فإن ما قاله العلماء اليهود الثلاثة، الذين يعيشون في إسرائيل ليس جديداً، فكثير من علماء الآثار والتاريخ العالميين وصلوا إلى هذه الحقيقة المؤكدة، منهم عالمة الآثار كاتلين كينون في كتابها «علم الآثار في الأرض المقدسة»، كذلك تصب في هذا الاتجاه دراسات المؤرخ بيتر جيمس، التي نشرها في كتابه «قرون الظلام»، كما المؤرخ ذائع الصيت أرنولد تويبني، والمؤرخ غوستاف لوبون في كتابه «تاريخ الحضارات الأولى»، والمؤرخ اليهودي المعروف آرثر كوستلر، والمؤرخ شلومو ساند في كتابيه القيّمين «اختراع أرض إسرائيل» و»اختراع شعب إسرائيل»، كما نورمان فلنكشتاين وإسرائيل شاحاك، وبرنارد لازار، وإيلان بابيه وسامي سموحة وغيرهم الكثير.

ما نقوله لنتنياهو: القدس عربية خالصة مهما حاولت التزوير، كما الأرض الفلسطينية من الناقورة إلى رفح ومن النهر إلى البحر، إضافة إلى المياه الإقليمية الفلسطينية كانت وستظل عربية.

متآمرون.. و”مراسيم جنازتي”!

 

 

د. فايز رشيد ( الأحد ) 28/5/2017 م ...

متآمرون.. و”مراسيم جنازتي”! ...

”رغم كل وضوح الدولة الصهيونية وإطارها وفهمها للحل, فإن البعض ما زال يتوهم بأنها ستوافق على إقامة دولة فلسطينية, أو يراهن على العدو بأنه سيجنح يوما ما للقبول بالسلام وحل الدولتين, هو انتهازية مبطنة ومقنعة لا تأثير لها سوى المزيد من التراجع للمشروع الوطني الفلسطيني وحقه في كل أرضه من التهر إلى البحر, وتراجع الثورة. ”

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الانتهازيون في الثورة, كتب عنهم وحذر منهم كل فلاسفتها ومنظروها. لقد استبق نتنياهو زيارة ترامب لدولة الكيان بإعلانه وتأكيده أن القدس ستظل العاصمة الأبدية والموحدة للكيان. من جهته, فإن الرئيس ترامب لمن سمع خطاباته في الكيان, سواء في المطارأو في مقر “ياد فاشيم” وتغزله بـ “الشعب اليهودي” ودموعه التي ذرفها أمام حائط البراق, يخرج بانطباع أنه صهيوني على يمين نتنياهو, لذا سمعنا اقتراحات عديدة من قادة الأحزاب الأكثر تطرفا في دولة الكيان, بتسمية ترامب عضو شرف في كل منها. إن آخر إحصائية عن المدينة المقدسة تؤكد, أن ما بقي من أراضي القدس للفلسطينيين هو 13% فقط. ترامب قال كلاما عاما, فهو لم يدن الاستيطان ولم يذكر حل الدولتين ولم يتفوه بكلمة عن الأسرى المضربين!.

وبالعودة إلى موضوع المقالة, فإن كارثة اتفاقيات أوسلو بعد برنامج النقاط العشر, شكلتا الانعطافة التراجعية في أهداف النضال الوطني الفلسطيني, وواضح منذ بداية نهج المفاوضات العبثي الذي امتد لزمن يزيد عن العقدين, أن العدو الصهيوني لن يوافق على إقامة دولة للفلسطينيين, وأن كل أطروحاته حول هذه القضية هي دعاية إعلامية ليس إلا. بالنسبة للانتهازيين, فقد اعتقدوا لغبائهم أن الصراع مع الكيان الصهيوني قد جرى حله, فبدأ ضباط المخابرات الفلسطينيون يسهرون مع نظرائهم الصهاينة في مواخير تل أبيب , وبدأ التنسيق الأمني مع العدو! وبدأ, وبدأ.. الخ.

الانتهازية في الثورة تأخذ أشكالاً متعددة! ركوب موجة الوطنية من دون فعل هو انتهازية. التظاهر والتفاخر بالمنصب هو انتهازية, التآمر على المناضلين الحقيقين هو انتهازية. أن تكون عضوا في حزب تقدمي ليس معنى ذلك أنك وطني! الذين يجعلون هدفهم التآمر على مناضل هم مزيفون, لا يربطهم بالنضال والوطنية سوى اسم الحزب الذي يقبلهم ,رغم معرفته بضلالهم وانتهازيتهم! احتكار الفهم هو انتهازية. رغم كل وضوح الدولة الصهيونية وإطارها وفهمها للحل, فإن البعض ما زال يتوهم بأنها ستوافق على إقامة دولة فلسطينية, أو يراهن على العدو بأنه سيجنح يوما ما للقبول بالسلام وحل الدولتين, هو انتهازية مبطنة ومقنعة لا تأثير لها سوى المزيد من التراجع للمشروع الوطني الفلسطيني وحقه في كل أرضه من التهر إلى البحر, وتراجع الثورة. قلناها مرارا على صفحات “الوطن” أننا أكثر شعب في العالم لديه قيادات, وأعضاء لا تاريخ لهم من صبيان الأمس يصبحوا أعضاء مكاتب سياسية! ولذا ترانا نحقق النجاحات واحدا تلو الآخر! شعبنا مل من قياداته وعجزها, فاجترح مقاومته الفردية ولو بالسكين!.لماذا ذلك؟ أسرانا مضى عليهم 42 يوما من الإضراب, هل لو كنا في زمن “الكبار” سيكون الوضع على هذه الشاكلة؟ بالتأكيد كلا وألف كلا.

بالنسبة للقسم الثاني من المقالة, فلقد استعرت عنوان كتاب ساخر لصديقي وأستاذي المرحوم فخري قعوار بعنوان “مراسيم جنازتي”, وينقل فيه الحوار التالي بين حمار وشخص, يقول الأول (الحمار) لمحاوره: مستحيل أن يصير واحد مثلك مديرا!, فقال الشخص باستخفاف وثِقة: وما الذي يمنعني كي لا أصير مديرا؟ فيجيب الأول: أنسيت أنك حمار؟ يجيب الشخص: لا لم أنسَ أنني حمار, ولكني أرى أن (الحُمُورِيَّة) ليست سببا كافيا لعدم تعييني مديرا، تنهد الحمار وقال: دنيا!! .هذا العنوان استعاره الشاعر المغربي المبدع (المقيم في بريطانيا) بن يونس ماجن في قصيدته بعنوان “بعد عودتي من مراسيم جنازتي” وفيها يقول: “منذ ستين عاما وانا أحمل نعشي…بين حفر ترفض أن تواريني.. ولكن ,شبر واحد يكفي.. ليؤنس وحشتي”!. ما قصدت قوله مما كتبت :أن المسألتين هما احتجاج على مظاهر الانحطاط التي نعيشها في هذا الزمن الرديء !ذلك عندما تتحول الحياة إلى موت بطيء لكل ذي ضمير, فكم من ملايين أحياء لكنهم في حقيقتهم ميتون ,إن لم يكن موتا جسديا, فهو انعدام أي تأثير لهم في الواقع الاجتماعي المعاش!. ولهذا استلهم شاعرٌ عربي مجهول الإسم بيتا من الشعر يقول فيه: وكم رجلٍ يعد بألفٍ, وكم ألفٍ تمر بلا عدادِ! ليس المقصود بقولي هذا الاستهزاء بأحد, وإنما هو انتقاد لمرحلة وصفها الفذ المرحوم هيكل بأنها “غياب للعرب عن التاريخ والواقع”.

وفي التفصيل أقول, الموت حق, وبعد الخامسة والستين يصبح العد العكسي للعمر في انتقاص مستمر. كثيرون أوصوا في هذه الحياة بأن تكون جنازة كل منهم في منتهى البساطة, منهم الأخ الكبير والأستاذ لكل من كتب في حقل الرواية والقصة القصيرة, المبدع حنا مينة (الذي شرفني بكتابة مقدمة مجموعتي القصصية الأولى بعنوان “وداعا أيها الليلك”) أطال الله في عمره وعافاه. وصيته بالنسبة لمراسيم جنازته تحمل فلسفة البساطة! فالإنسان إن لم تخلده أعماله وكتاباته وكتبه (بالنسبة للكاتب), ونضالاته والتحامه مع قضايا شعبه وأمته, فعلاً لا قولاً وليس تنظيرا فقط, فلن تصنع منه جنازة كبيرة ولا نعي كبير الحجم في الصحف, ولا الخطابات في المقبرة التي تشيد بالفقيد, ولا البوستر الذي سيحمل صورته إن حضروه, لن تصنع منه إنسانا يذكر الآخرون. لكل ذلك, أوصى كاتب هذه السطور مَن بعده, بتكليف شركة دفن بنقل جثمانه, وإن سار فيها محبون حقيقيون فهم أحرار, والشكر المتأخر لهم, فلا حاجة به للانتهازيين, الذين حاولوا النيل منه في حياته ولم بستطيعوا ولن يستطيعوا بالتأكيد والحمد لله أن كيدهم رُد إلى نحورهم.

لقاء مع العروبي العتيق سليم الحص

 

 

د. فايز رشيد ( الأردن ) الإثنين 22/5/2017 م ...

لقاء مع العروبي العتيق سليم الحص ...

أن تلتقي برئيس وزراء لبنان الأسبق سليم الحص يعني باختصار لقاءً بسنديانة عربية شامخة من جيل عظيم! سنديانة أعلنت وفاءها للقضية الفلسطينيية منذ بداية الغزوة الصهيونية للأرض الفلسطينية. شخصية عربية من جيل الرئيس الشامخ جمال عبدالناصر, تقترب منها, فيملأ عبقها الثوري الأوكسجين الذي تتنفسه. شخصية قومية عربية بامتياز, قامة ناضلت ولاتزال وفق ما تسمح به الحالة الصحية لصاحبها حاليا, وقد بلغ منه العمر سنين فرضت ذاتها عليه. كل هذه المعاني اجتاحتني وأنا في طريقي لبيت ومكتب متواضع يشغلهما دولة الرئيس في عمارة سكنية عادية في منطقة عائشة بكار في بيروت, وكان دولته قد أعلن إضرابا عن الطعام تضامنا مع إضراب أسرانا الفلسطينيين الأبطال, الذين ابتدأوا شهرهم الثاني, وسط تجاهل دولي ورسمي عربي وفلسطيني لقضيتهم.

عرفت دولته حينما استفتيته وثلة من روّاد الوطنية والقومية العربية كالرئيس المرحوم أحمد بن بللة, في كتابي بعنوان “خمسون عاما على النكبة” الصادر عام 1998, وفي الثاني بعنون “ستون عاما على النكبة” الصادر عام 2008. هذان الكتابان اللذين سأظل أعتز بهما ما حييت, فهما مرجعين مهمين لمن سيناقش مستقبلاً زمن الوجود الصهيوني على الأرض الفلسطينية يوماً. أقول وأنا أعني ما أكتب , اعتماداً على تجارب التاريخ, فالكيان وصل إلى مرحلة في فاشيته وعنصريته الغاية في الوحشية, لم تسبقه إليها دولة ولا ظاهرة شبيهة في التاريخ, أسميتها “مرحلة ما بعد الفاشية والعنصرية”, وإدرك أنه في زمن قريب قادم سيسود استعمال هذا المصطلح.أقول ما أقول, انطلاقا من ظاهرة رد الفعل الصهيوني على قضية الأسرى. سألني منذ عشرة أيام مقدم برنامج شاركت فيه على فضائية “الميادين”, عن توقعاتي للمدة التي سيستغرقها الإضراب ( وقد راجت حينها دعايات بائسة لا تقرأ جيدا عدونا, بقرب انتهائه!) أجبت يومها: ستطول المدة, انطلاقا من أسباب إسرائيلية صهيونية عددتها, ولكن في النهاية سينتصر أسرانا بعد تضحيات كبيرة سيقدّمونها.

في تاريخ الظواهر الفاشية والنازية والجنكيزخانية وغيرها, وصلت كل ظاهرة منها إلى حالة من الإشباع من امتصاص دماء الآخرين, ولم تجد بعدها من دماء جديدة تمتصها. بالتأكيد والحالة هذه ووفقا للقوانين الفلسفية ستبدأ في امتصاص ذاتها, وهنا جاء التعبير الفلسفي :”البدء في أكل نفسها” ومن ثمّ “التأسيس لبداية نهايتها” أو سمّها “حفر قبرها بيديها”. الصهيونية هي الظاهرة الأقبح والأبشع والأكثر تعطشا للدم في التاريخ الحديث, ولذلك هي ودولتها كتعبير مادي عن الظاهرة القبيحة والقميئة , محكومان بالفناء, لذا صدّقوني وسجّلوها عليّ, إن احتفلت دولة الكيان بذكرى إنشائها القسري لسبعين سنة أو لثمانين, فحتما لن تحتفتل بالذكرى التسعين, حتى لو امتلكت كلّ أسلحة العالم وكل ما فيه من قنابل نووية, نتحدى أن تستعملها , فهي لن تكون بمنأى عن تأثيراتها المدمرة, ولو ذهب ستة أو تسعة ملايين صهيوني من قطعان المستوطنين الوحوش, وضعفهم من العرب, فستظل الأمة العربية باقية.الكيان لا يحتمل سوى هزيمة واحدة ! اسألوا الكاتبة عميرة هس والكاتب جدعون ليفي. من قبل أفتى بما أقول: أبراهام بورغ, سامي سموحة, إسرائيل شاحاك, شلومو ساند ,إيلان بابيه , نورمان فلنكشتاين ,آرثر كوستلر وغيرهم. عددّت فقط الاستراتيجيين والكتاب اليهود وليس غيرهم من العالميين.

وبالعودة إلى لقائي مع دولة الرئيس , صرّح مدير مكتبه إثر اللقاء بما يلي (أقول نتفا مما أعلنه مكتوبا) : استقبل الرئيس الدكتور سليم الحص عضو اللجنة المركزية في الجبهة الشعبية د.فايز رشيد اتياً من عمّان خصيصاً لتقديم الشكر والامتنان لدولته, ومثمناً للموقف العروبي القومي الاصيل الذي اعلنه الرئيس الحص بتضامنه مع الاسرى في سجون الاحتلال ,مضيفاً ان دولته ومن خلال مواقفه المشرفة, أعاد تصحيح اتجاه البوصلة نحو فلسطين, كما أعاد احياء الشعور بالانتماء القومي الحقيقي في الذهنية العربية ولدى الشعب الفلسطيني بشكل خاص. كما نقل د. رشيد تحيات الأسرى لدولته مشيدين بمواقفه, مؤكدين على الاحترام العالي لدولته من اللجنة القيادية للأسرى والقائدين مروان البرغوثي وأحمد سعدات ورفاقهم. ولقد شدد دولته على أن فلسطين ستظل القضية المركزية لأمتنا ومؤشرا لبوصلتها الصحيحة. من ناحية أخرى وفي إحدى المرّات أعلنت اتفاقي مع مقالته التي دقّ الجرس فيها عاليا إيذانا بالخطر, حين عبّرعن “امتعاضه الشديد من العرب” وعن استمرار حبه وتزايد “عشقه” للعروبة. ولعله ايضا, وبالقدر الذي كان يشير فيه الى مرارة الواقع بانكساره, وكل معطياته المحزنة والمؤلمة, فإنه يثير الشجن أيضا الى تلك المرحلة من التاريخ الحديث, حين كانت العروبة جامعا بين ابناء الامة الواحدة,وحين كانت الوحدة مطلبا جماهيريا عربيا من المحيط إلى الخليج.

على صعيد آخر, خصّني دولته بنشر موقفين اتخذهما ( وقد كان يستعين من أجل تذكيره بمدير مكتبه لأربعة عقود الأستاذ رفعت بدوي) :الأول, إنه وأثناء اجتماع دوري لوزراء الخارجية العرب عام 1991( وقد كان يشغل حينها منصب رئيس الحكومة ووزير خارجية لبنان) وصلته ورقة تخبره بغزو العراق للكويت! كتب الرئيس إثرها ورقة يدين فيها الغزو, وطلب من مدير مكتبه توزيعها رأسا على وسائل الإعلام, وبذلك كان أول مسؤول عربي يدين الغزو. الموقف الثاني, إنه وفي قمة بيروت عام 2002, التي اتخذت ما سميّ حينها بـ “مبادرة السلام العربية”, غضب الرئيس الحص حينها, ومثلما قال لي, قلتُ للرؤساء “أن الحقوق الفلسطينية كما القضية, لم يبدأ مع نكسة 67, بل كانتا منذ عام 1947!”, واستطرد محدثا..”كتبت إلى الرئيس بشار الأسد ,ألومه فيها على موافقته على مثل هذه المبادرة, فما كان منه إلا أن بعث إليّ برسالة بعد ساعات قليلة, يؤيد فيها موقفي, مضيفا, دع العرب يجربون!”. للعلم, داس شارون على المبادرة, وقال تصريحه الشهير”إنها لا تستأهل الحبر الذي كتبت به, ومصيرها إلى سلة المهملات”. شارون منع عرفات من حضور القمة, وأعاد اجتياح الضفة الغربية, وأعلن موت اتفاقيات أوسلو.

كان لابدّ من إنهاء اللقاء تقديرا لصحة دولته, ولسنه وما يستطيع احتماله فقمت مودّعا. سيبقى دولة الرئيس الحص منارة لكل المواقف الوطنية والقومية الأصيلة, ولا نملك إلا أن ندعو له بطول العمر وكل الصحة والعافية.

صراحة الكاتب.. ولا أهمية نقده!

 

د. فايز رشيد ( الأردن ) الأحد 23/4/2017 م ...

صراحة الكاتب.. ولا أهمية نقده! ...

إسرائيل انتصرت لأن مسؤوليها المعنيين, سياسيين وعسكريين, يقرأون ما يقدم لهم من معلومات وأوراق, كل حسب مجاله. انتصرت لأنها تستقطب الكفاءات وتحترمها وتقدم لها ما تحتاجه لمواصلة إبداعات أصحابها! تسميهم في وفودها إلى العالم, وتعمل دوما على إبراز كفاءاتهم على كافة الأصعدة, خاصة منها الكفاءات المتخصصة..

في هذه الحياة القصيرة, مهما طالت! يصبح البوحُ بالحقيقةِ مسألة في غاية الأهمية! فالعمرُ أيضا مهما امتدّ ليس بطويل! من هنا وفي السنّ بعد الخامسة والستين, تتضاعف مسؤولية الكلمة بالنسبة للكاتب الصريح, الفقير بالمعنى المادي غالبا! لكنه غير المنافق, ولا منتفع من هذه الجهة أو تلك, هو الأصيل في زمنٍ تفتقدُ فيه الأصالة! هو الذي لا يحوز في العادة على أعلى الأصوات, فهذه لها أصحابها المختصون!إننا نعيش عصر اللاعدالة. في حياتي, أقسمُ أنني مررتُ بأشكالٍ وأنواعٍ مختلفة من البشر! منهم الصادقون, ومنهم الانتهازيون قلبًا وقالبًا, ومنهم عديمو الإحساس. مردّ ذلك ربما! أنه في هذا الزمن الرديء, ومثلما قال المثل العربي, “فالج لا تعالج”, فإنك إن قلتَ أو لم تقل, فسيّان! إن نقدتَ أم لم تنتقد! فلا شيء سيتغير! وستكون النتيجة, تكويم مزيد من الأعداء حولك! ومع ذلك, لا يهم, المهم هو المجاهرة بالحق, ولو على حساب قطع الرأس. فاحتجاجاتك إن كانت أو لم تكن, فسيّان! وحتمًا ستذهب أدراج الريّاح!

معروف أن “العرب” هم فرع من الشعوب السامية, ومفرد الكلمة “عربي”, يتحدد فهمها على خلفيات إثنية, ثقافية, لغوية, اجتماعية واقتصادية. لقد نسبت التوراة, العرب إلى إسماعيل بن إبراهيم, ويُصنّف العرب إلى ثلاث فئات: العرب البائدة (وفقا لابن خلدون وهم: عاد وثمود وغيرهما), العرب العاربة (وهم من نسل قحطان), العرب المستعربة (وهم من نسل معد بن عدنان), يُطلق على الأخيرتين, العرب الباقية. يتصف العرب (الأقحاح) بالأصالة, الشهامة, الكرم, النخوة, إغاثة الضعيف والمستجير بهم, القوة, العزّة والعنفوان. أما “الأعراب” فوفقا للقواميس والمعاجم العربية, ووفقا لابن خلدون, سيبويه, ابن الأثير في كتابه “النهاية في غريب الحديث”, ابن قتيبة, ابن عزيز, الشاعر حافظ إبراهيم وغيرهم, فهي كلمة تُطلق على ساكني البادية, وهؤلاء لا ينسبون إلى العرب, هم ليسوا بدوًا (هناك فرق بين البدوي والأعرابي), لذا، فإن “الأعراب” هم ومثلما وصفهم الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم: “الأشد كفرا ونفاقا”, وذلك لجفائهم وقسوة قلوبهم, وبُعدهم عن العلم, وعدم إحساسهم بأية مسؤولية حتى لو جرى الهجوم عليهم في عقر دورهم.

في زمننا, لا مكان للتخصص, فإذا ما اجتمع بعض الناس في ديوان أو جمعية, وصادف أن حضرها طبيب أو مهندس بناء أو أستاذ تاريخ, وجرى طرح سؤال من أحد الجالسين عن أحد المواضيع الثلاثة السابقة, يبدأ الحاضرون في الجهر بآرائهم في الجواب عن السؤال المعني, ناسين أو متناسين وجود أصحاب الكفاءات الثلاث صاحبة الاختصاص! في بلادنا يفتي الناس وهم لا يعرفون, وينسون الكفاءات المختصة. دولة الكيان الإسرائيلي لم تنتصر علينا في غالبية حروبها العدوانية, بشجاعة جنودها السوبرمانية, ولا بمعداتها وأسلحتها الخارقة, انتصرت علينا فقط لأننا ضعفاء. ولو كنا غير ما نحن عليه الآن, لجرت هزيمتها في كل اعتداءاتها, ولتحررت فلسطين بكاملها منذ زمن طويل! ولما كانت صورة الوضع العربي على ما هي عليه من الرداءة, كما الآن. إسرائيل انتصرت, بمعرفة أعدائها (وهم كل الشعوب العربية كما الدول) بكافة تفاصيلهم, بدءا بجيوشهم وانتهاء بما تكتبه صحفهم اليومية, بدراسة كل ما يتعلق بالحياة العربية. انتصرت بالدراسات التي تجريها دوما وتطرح فيها مواضيع استراتيجية, بدءا من مؤتمرات “هرتزيليا” الاستراتيجية السنوية, وانتهاء بمراكز الدراسات والأبحاث في الجامعات والكليات المعنية, والأخرى التابعة للصحف, فيها 11 جهة تعقد مؤتمراتها الاستراتيجية السنوية, وتطرح كل ما يتعلق بالأمن ومستقبل دولتها. إسرائيل انتصرت لأن مسؤوليها المعنيين, سياسيين وعسكريين, يقرأون ما يقدم لهم من معلومات وأوراق, كل حسب مجاله. انتصرت لأنها تستقطب الكفاءات وتحترمها وتقدم لها ما تحتاجه لمواصلة إبداعات أصحابها! تسميهم في وفودها إلى العالم, وتعمل دوما على إبراز كفاءاتهم على كافة الأصعدة, خاصة منها الكفاءات المتخصصة, وفي المجالات العلمية والاقتصادية والأخرى المختلفة.

في عالمنا العربي, تهاجر الكفاءات العربية إلى الغرب, نظرا لافتقارها إلى مجالات عمل في بلدانها, حيث لا يجري احترامها!ا بل تنال كل التقدير للأسف في أثناء عملها في الخارج. في عالمنا العربي. إذا ذهب وفـــد رسمي من جهة عربية في زيارة إلى أحد البلدان الجنوب آسيوية (على سبيل المثال وليس الحصر), لا تجري تسمية الباحث المختص في هذه المنطقة من العالم, ضمن أعضاء الوفد, ولا تجري أيضا الاستفادة من أوراقه ومعلوماته وأبحاثه عن البلد المعني, من قبل أعضاء الوفد, قبل زيارتهم إلى ذاك البلد. المسؤول أو من تحت مسؤوليته من ذوي المناصب العالية, هم المسافرون في الوفد, ومسؤول الوفد وحتى في النقاشات الرسمية, هو المتصدي للجواب على كل أسئلة الوفد المقابل على كافة الأصعدة وفي كافة المجالات: أسئلة السياسة, الاقتصاد, التنمية وغيرها, ذلك حتى لو كان متخصصا في الكيمياء! إنه من العار ومنتهى العيب, أن لا يعرف المسؤول الأجوبة عن الأسئلة في كافة المواضيع! ويعتبر أن من “الإهانة” أن يحيل الإجابة إلى عضو آخر مشارك في الوفد, حتى لو كان مختصا في السؤال المعني.

حتى القضية الفلسطينية, تندرج في السياق ذاته, فقد ذهب الوفد الرسمي الفلسطيني إلى مباحثات أوسلو (المشؤومة), ومن ثم تم الاتفاق على متاهة نصوصها وخرائطها وصياغتها القانونية, بدون اصطحاب خبراء قانونيين, أو جغرافيين مختصين في الخرائط. وتمت الاستعانة فيما بعد بخبراء خرائط مصريين. حالة الأحزاب والفصائل الأخرى هي ذات الحالة, ووقعت وتقع في المطب ذاته, فوفودها الرسمية وإعلاميوها هم الوجوه المعروفة ذاتها, الطائرة دوما في السماء! وهي التي تراها على الإعلام في كل مناسبة ومناسبة, لم يقم حزب بإبراز كفاءاته. ما تحققه هذه الكفاءات من معرفة الناس لها, هو بفضل جهودها الذاتية فقط من خلال إبداعاتها.

لكل ذلك, ومن أجل التأكيد على كل تلك الأمراض, جاءت رواية الكاتبة الأيرلندية المشهورة إتيل مينون, المؤيدة للقضية الفلسطينية حتى النخاع (وبعد وقت قصير من النكبة) بعنوان “في الطريق إلى بئر سبع”, التي روت فيها المآسي الفلسطينية, والتهجير والنفي الفلسطيني على أيدي المحتلين الفاشيين الصهاينة, والتي عبّرت من خلال سطورها عن التقصيرات العربية. ولذلك أيضا, قالت كلمتها الشهيرة, “العرب أسوأ المحامين عن أعدل القضايا”.

الصفحة 1 من 17