حدث تاريخي

روسيا ... حظ نابليون العاثر في مواجهة جنرال الثلج

 

الأحد 11/9/2016 م ...

الأردن العربي – روسيا اليوم ...

صادف يوم 7 سبتمبر الذكرى 204 لمعركة "بورودينو" بين قوات الجيش الروسي الإمبراطوري وقوات نابليون بونابرت الغازية. معركة تميزت بعنفها وشراستها، بددت أمال نابليون في تحقيق نصر سريع.

جرت وقائع هذه المعركة الرهيبة في بلدة بورودينو، الواقعة إلى الغرب من العاصمة موسكو لمسافة 125 كيلو مترا. هناك انطلقت المدافع فجر 7 سبتمبر 1812 وسط الضباب وتدافع آلاف الجنود من القوات المدافعة والأخرى الغازية في معركة ضارية تحولت لبعض الوقت إلى تلاحم جسدي مباشر.

وتختلف المصادر التاريخية أثناء حديثها عن تعدد القوات من الجانبين، وعن خسائرها، وحتى نتائجها، ويرجح مشاركة نحو 150 ألفا من الجيش الإمبراطوري الروسي، مقابل 135 ألف جندي وضابط فرنسي.

وتمكن جيش نابليون في هذه المعركة التي تواصلت 12 ساعة من إحراز تقدم والسيطرة على مواقع من ميسرة الجيش الإمبراطوري والوسط، إلا أنه أخلى تلك المواقع وتراجع بعد انتهاء القتال.

وعلى الرغم من أن الجيش الإمبراطوري الروسي بقيادة الجنرال الشهير ميخائيل كوتوزوف قد اتبع استراتيجية استنزاف مع قوات نابليون الغازية، حيث تحاشى الصدام المباشر معه مرارا لإنهاكه وحرمانه من تحقيق نصر كاسح سريع، إلا أن كوتوزوف وبضغط من القيصر الكسندر الأول قرر إعاقة الجيش الفرنسي، ومنعه من الدخول إلى موسكو بسهولة ومن دون معركة.

انتهت المعركة الدموية بخسائر فادحة في كلا الطرفين، إذ فقد الجيش الإمبراطوري الروسي، بحسب إحدى الروايات نحو 40 ألف جندي، و42 جنرالا بين قتيل وجريح، فيما قتل 30 ألف جندي فرنسي إضافة إلى 49 من كبار الضباط.

وظل نابليون بونابرت لاحقا يردد على مسامع ضباطه "أن معركة بورودينو كانت الأكثر روعة ورهبة، أثبت الفرنسيون جدارتهم بالنصر، واستحق الروس أن يوصفوا بأنهم لا يقهرون".

كان نابليون قد جاء إلى روسيا بجحافله في أوج مجده العسكري، وقد تحول إلى أسطورة لا تهزم، وقد وعد ضباطه وجنوده بنصر سريع، بمعركة كبيرة يسحق فيها الجيش الإمبراطوري الروسي، ويملي شروطه على القيصر ويعود بأكاليل النصر كعادته، إلا أن آماله خابت هذه المرة، وحساباته سقطت، وظل لفترة طويلة يلاحق السراب في سهوب روسيا الواسعة.

وحاول نابليون بعد معركة بورودينو أن يخرج من المستنقع الروسي بعد أن أحس بالخطر، وعرض على القيصر اتفاقا وصفه بالمشرف لوقف الحرب، إلا أن ألكسندر الأول رفض بشكل قاطع أي حوار مع الغازي بل حظر على مواطنيه نقل أية رسائل من نابليون تحت طائلة الإعدام.

ولم يعد نابليون بعد بورودينو كما كان قبلها، بدأت شمس مجده تميل إلى الغياب، ونجم سعده يخبو إذ دفعته خسائر جيشه الجسيمة في الأرواح بفعل الهجمات المباغتة التي تعرضت لها قواته وخطوط إمداداته ومعسكراته إلى العودة ببقايا قواته من حيث أتى.

وكان الانسحاب مغامرة طويلة منهكة في طريق محفوف بالمهالك، وخاصة أن "الجنرال ثلج" قد دخل إلى ساحة المعركة، وأظهر للفرنسيين الذين تعودوا على المناخ الدافئ الأهوال التي تنتظر كل من يتجرأ على غزو روسيا، عرينه الأبدي.

ثورات بني حميدة ( قاهرة الأتراك 1889 )

 

الأحد 17/7/2016 م ...

الأردن العربي ... في زمن صعب، أخرج الأردن فيه عن سياقه التاريخي لمدة اربعمائة عام و في أعتى سنوات الاحتلال التاريخي التي غلفت بقشرة الدين مارس الأتراك أبشع أساليب الهدم الممنهج لحضارة الأردن التاريخية والتمزيق المحترف لنسيج الأردن الاجتماعي دفع الأردنيين لابتكار وسائل تكيف اجتماعية تمكنهم من البقاء في صراع مرير وطويل مع الاحتلال التركي ، تخلل ذلك الصراع أكثر من ثلاثة وخمسين ثورة أردنية صغرى سبقت تتويجها جميعا بالثورة العربية الكبرى التي كان فرسان العشائر الأردنية عمودها الفقري .

واحدة من مفاصل هذه الثورات كانت ثورة بني حميدة والتي تؤرخ لبدأ العد التنازلي لنهاية الاحتلال التركي البغيض حيث تصنف ثورة الحمايدة كواحدة من أهم النضالات التي بذلها أجدادنا في سلسلة الثورات الصغرى التي قادها الأردنيون ضد الاحتلال التركي بحيث تؤشر كل الأحداث بعدها الى تسارع الانهيار في قوة الاحتلال العثماني .

بني حميدة

قبيلة بني حميدة ويُعرفون أيضاً بــ (الحمايدة) من أكبر قبائل المملكة الأردنية، حيث يتوزع أبناء هذه القبيلة في ثلاث محافظات أردنية كبيرة في الطفيلة و الكرك و مأدبا، ذكر القلقشندي قبيلة تدعى (الحميديين) وهي أحد بطون ” جُذام “، وقال الجزيري في الدرر المنظمة ج2 ص1324 (أن عقبة والد حميدة) .

وأشار الراحل روكس بن زائد العزيزي في معلمة التراث الأردني الى أن جميع الدلائل والمراجع تشير على أنهم بطن من من جذام وكانوا أربعة أخوة هم ( فاضل ، تايه ، ذويب ، قبلان) مع مجموعة من أقاربهم .

وتوزع بنو حميدة على تجمعيين للماء في بادية الأردن هما “وادي الموجب، ووادي الوالة والهيدان”

ذباحة الدول

بعد أن تحول الأردنيون من حالة الحضر التاريخية إلى البداوة نتيجة التشتيت الممنهج والهدم المتواصل لتجمعاتهم السكنية من قبل قوات الاحتلال التركي الذي تفنن بجرائم الردم لكل بيت حجري مبني على أرض الاردن حيث تقلص على اثر ذلك عدد السكان بشكل متسارع، دفع الأردنيين إلى التحول لنمط حياة قابل للتكيف مع هذا الإرهاب المغولي الممارس من قبل الاحتلال التركي، وفرض الأتراك سلسلة ضرائب مقرونة بعمليات نهب متكرر فتبدأ الضريبة تصاعديا بخمسة وعشرين بالمئة وتصل الى حد المصادرة الكاملة للأملاك بمزاجية الجابي التركي وحجم الرشوة المدفوعة .

عام 1913 نشمية من بني حميدة ، و يظهر خلفها بيوت الشعر و الخيام حيث ذاق بني حميدة مرارة الترحال و التنقل الدائم نتيجة هدم منازلهم و نهب مؤنهم و الإمعان في الانتقام من أبنائه من قبل الاحتلال العثماني و بدأت ملامح الاستقرار تعود بقيام الثورة العربية الكبرى وانتصارها

تحت هذا النمط من الظلم والاستغلال اضف لذلك أخذ أجدادنا كحطب لمعارك الترك في رحلة السفربرلك لحماية عرش حريم السلطان المتخم بمنهوبات الدول المحتلة ومسروقات تنمية الشعوب الخاضعة للاحتلال التركي البغيض، فاختارت العشائر الأردنية أنماطا مختلفة من المقاومة للاحتلال وتميز بنو حميدة باختيار أماكن تجمع ضباط الاحتلال التركي وعسكرهم وإبادتهم على مدى سنوات حتى وصل عدد الجنود الأتراك الذين قضوا على يد فرسان عشائر بني حميدة إلى أكثر من مائتين جندي تركي ولعل تسمية بني حميدة بعد تلك الثورة بــ ( ذباحة الدول ) كانت فأل خير على الأردنيين ونذير شؤم على محاربيهم وإن كانت كلمة ( الدول) تعني مراكز العسكر والمخافر ولكن أخذت على معناها المجازي بعد أن (ذبحت) دولة الاحتلال بهمة وعزم كل الأردنيين بعدها بعشرين عام يوم استجاب القدر لكفاح الأجداد بإعلان الثورة العربية الكبرى ضد أربع قرون من القمع والإرهاب والحرق والقتل والسرقة باسم الدين.

ﻭﻛﺎﻥ ﺳﺒب الثورة ﺍﻟﺮﺋﻴﺲ ﻓﺮﺽ ﺍﻟﺪﻭﻟﺔ اﻟﻌﺜﻤﺎﻧﻴﺔ ﺍﻟﺘﺠﻨﻴﺪ ﺍلاﺟﺒﺎﺭي وﺯﻳﺎﺩﺓ ﺍﻟﻀﺮﺍﺋﺐ ﺿﺪ ﻗﺒﻴﻠﺔ ﺑﻨﻲ حميدة وﻗﺪ ﺃﻏﺎﺭ ﻓﺮﺳﺎﻥ ﺑﻨﻲ ﺣﻤﻴﺪﻩ في ذلك الوقت على مركز العسكر العثماني والتي كانت تسمى “الدول” واشتبكوا مع عسكر الدولة العثمانية وقتلوا منهم الكثير حتى أطلق عليهم اللقب الدارج ( ذبّاحة الدول).

وقد استبق ثورة بني حميدة عام 1889 سلسلة من المواقع الحامية خاضها بنو حميدة مع الأتراك استبقتوا فيها ثورتهم الرئيسية ونسرد منها على سبيل الذكر لا الحصر :

موقعة صباح الهروط

و التي وقعت في عام 1887 أي سبقت ثورة بني حميدة الرئيسية بعامين ووقعت في أراضي ماعين الى الغرب وتمرد فيها بنو حميدة عن دفع الضرائب وواجهوا حامية تركية مدججة بالسلاح فاقت المائتين من جنود الاحتلال.

أحداث المعركة: تلخصت بصباح ذات يوم من أيام نهاية الحصاد حيث جمعت المحاصيل على شكل بيادر وكانت في منطقة ” لب ” حيث أغار المحتلون الأتراك وسرقوا ما طالت أيديهم من قطعان ومحاصيل فرد عليهم بنو حميدة الغارة بعد إطلاق صيحة الحرب (سياح يا هلي) ويقصد به وادي السياح إحدى نخوات بني حميدة .

وخاض المعركه فرسان بني حميدة الذين سمعوا الصيحة ووصلوا أرض المعركة واستمر القتال حتى مغيب الشمس .

وفي نهاية الموقعة ولعى اثر عدّ الشهداء و الجرحى كان بنو حميدة قد قدّموا كوكبة من الشهداء ونالوا من المحتل التركي عددا من القتلى وبقيت حالة التوتر صفة العلاقة بين الأتراك والعشائر الاردنية .

موقعة الذهيبة والثمد

جمع الأتراك قوة عسكرية مدججة لتأديب بني حميدة فوضع بنو حميدة خطة دفاعية تلخصت بإدخال الجيش التركي حقول القمح اليابسة وإشعال النار بها وكانت ضربة قاصمة وصف على إثرها بنو حميدة بقاهرة الأتراك لما تركته من أثر بالغ في جسد دولة الاحتلال التركي نظرا لدقة التخطيط وعدد الخسائر .

ثورة بني حميدة 1889

على إثر التراكمات وتراجع هيبة المحتل أمام الضربات المتلاحقة من فرسان العشائرالأردنية قرر الاحتلال التركي الإمعان في غلوه فرفع الضرائب ووفر فرقة ضخمة لجباية المال وبدأوا بسرقات منظمة لقطعان الإبل والخراف التابعة للعشائر الأردنية ويسرت عمليات متابعة وملاحقة لأبناء العشائر الاردنية واستمر الكر والفر ورفض الظلم الذي تلخص بتصيد العشائر الأردنية في مواسم الحصائد والتنقل بحسب دوران الفصول لفرض ارهاب الاحتلال معتقدين ان هذا النمط من الهمجية سيخضع القبائل الأردنية ومن بينها بنو حميدة الذين باتوا هدفا مهما على قائمة الاحتلال التركي نظرا لما فعلوه بجسد الاحتلال من طعنات يصعب اخفاؤها .

وحينها حشد الاحتلال التركي لحملات انتقامية ارتكزت على مصادرة أملاك بني حميدة ونهب ممتلكاتهم وفرض ضرائب مضاعفة وطرح أملاكهم في مزايدة ونهب أموالها لتغذية حكم حريم السلطان في اسطنبول، وتشير صحيفة البشير البيروتية تفاصيل لتحدي بني حميدة وباقي العشائر المتعاضدة معهم في شهر تموز من العام 1889 في الأردن بعد أن رموا قفاز التحدي برفض الضريبة والإنصياع لإجرام الاحتلال التركي وتشير البشير : ( فقد عهد والي سوريا إلى صاحب السعادة (فوزي باشا) قومندان جاندرمة ولاية سوريا بتحصيل الأموال الأميرية واجراء التعداد فسار حتى بلغ مضارب بني حميدة الذين يرفضون دفع تلك الضريبة)، وعندما وصل القومندان فوزي باشا إلى مضارب بني حميدة صاحوا صيحة الحرب واستنصر لهم أبناء العشائر الاردنية فركب الخيل أكثر من ألف فارس من بني حميدة يرادفهم فرسان العشائر الأردنية وكانت واقعة عظيمة بين دولة الاحتلال وفرسان العشائر الاردنية تحت لواء بني حميدة قدّم فيها الأردنيون خيرة أبنائهم شهداء على مذبح الحرية وطريق الاستقلال من أبشع أربع قرون من التجارة بالدين على أرضنا وانتهت المعركة بقتل العشرات من الترك الذين مارسوا متعتهم بخطف الرهائن والتمثيل بالأسرى وفضت المعركة دون كسر شوكة العشائر الأردنية الذين أعادوا الكرة بعدها على الاحتلال بأكثر من موقعة حتى اذا ما أُعلن عن ثورة الكرك بعدها في عام 1910 كان فرسان العشائر الاردنية وبنو حميدة معهم على رأس طوابير الثورة التي كانت فيما بعد الخط الفاصل بين تاريخ الثورات الصغرى وقدوم الثورة العربية الكبرى التي أطاحت بتاريخ الاحتلال والاستبداد لتتوج مسيرة العشائر الأردنية الطويلة لنيل الاستقلال وإعادة الأردن إلى مسار التاريخ والحضارة والبناء والتنمية .

بنو حميدة في كتب الرحالة

قدم الدكتور غازي الذنيبات مقالا لخّص فيه بعض ما ذكره الرحال بيركهارت قبل نحو مائتي سنة وتحديدا في عام 1804 حيث زار الرحالة الفرنسي المولد جون لويس بيركهارت بلاد الشام والحجاز ومصر والسودان ووضع احدى روائع كتب الرحالة التي وصفت المكان والزمان والسكان برز فيها جزء من تاريخنا وما امتاز به الأردنيون من سماحة وخلق وكرم وانسانية، وفي معرض حديثه يذكر الكاتب عرب الحمايدة بما هم أهله إذ يسرد الرحالة السويسري ثلاث قصص تصف كرم الحمايدة وشهامتهم.

يذكر هذا الرحالة اقامته لدى عائلة حميدية حيث كان بضع أمتعته عندهم بينما يتجول هو وفريقه في المناطق التاريخية والأثرية، وقد أمضى أياما بضيافة الرجل وعندما همّ بالرحيل وجد ابنه الصغير في البيت فأراد أن يكرمه فاعطاه بضعة قروش ذهبية ورحل، وبعد مسير ساعات وإذا بالبدوي الحميدي يتبعه على جمله ليعيد له نقوده غاضبا وموبخا وقائلا له : ( ماذا تريد أن تقول عني العرب؟ أخذ بدل ضيافته، والله لو كان ابني يدرك معناها لقتلته)، وهنا يقول بيركهارت:( وأقسم أن بيت هذا البدوي ليس فيه حبة من قمح أو قطرة من سمن).

كما يذكر بيركهارت أيضا أنه وفي احدى زياراته لشيوخ بني حميدة وبعد أن أقام ليلته مكرما في مضاربهم علم في اليوم التالي أن شيخهم قد تعرض لطعنة قاتلة؛ كان يئن منها أنينا يقطع نياط القلب حتى أدركه أجله، ولم يخبروه حتى لا يفسدوا عليه ضيافته .

أما الواقعة الثالثة أن هذا الرحالة قد زار إحدى المدن في دولة مجاورة (نعرض عن ذكرهها احتراما لأهلها الطيبين) وبعد أن ذاق الأمرين من اهلها يقول : ( وجدت فيها أناسا يدعون أنهم عرب وحاشا لله أن يكونوا عربا، العرب الأقحاح اؤلئك الذين عرفتهم في في مضارب بني حميدة الذين لن انسى ما حييت ما بلغه جودهم وكرمهم ). هؤلاء هم أهل الجود (هلا الجود) قبائل بني حميدة ، لقد كانت القبائل والعشائر الأردنية حاضنة خير، تفوح طيبا كحامل المسك، وكان لزعماء القبائل وشيوخها اهتماماتهم التي تتجاوز حدود القبيلة إلى حدود الوطن الكبير والأمة، وتشهد لهم أعواد المشانق التركية التي حملت رؤوس أحرار العرب الذين كانوا يهتفون على أعواد المشانق أن طاب الموت يا عرب والمنيّة ولا الدنيّة .إرث الاردن

المصادر والمراجع:

صحيفة البشير، عدد شهر تموز 1889م .

الصحافة مصدرا، (تاريخ الاردن) (1876- 1923) ، د.هند ابو الشعر ، 2015 .

الاستاذ سليمان القوابعة، بحث غير منشور.

تسامح العشائر- عرب بني حميدة مثالا ، د.غازي الذنيبات ، وكالة عمون الاخبارية ، 1 أيار 2011.

رحلات بيركهارت، ترجمة أنور عرفات، وزارة الثقافة والإعلام، عمان، الأردن، 1969 .

اضاءات على ثورة الكرك 1910، د. نوفان السوارية و محمد الطراونة ، دار رند، الكرك ، 1999 .

معلمة التراث الاردني، روكس بن زائد العزيزي، دائرة الثقافة والفنون، 1983 .

تاريخ الأردن المعاصر للأول الثانوي الأدبي، مساهمة الأردنيين في اليقظة العربية و حركة بني حميدة، وزارة التربية و التعليم، 2015.

الأدميرال الصيني والطريق إلى مكة

 

 

 

الأردن العربي ( روسيا اليوم ) الأربعاء 11/11/2015 م ...

إنها قصة تحمل الكثير من التشويق والإثارة، بدأت فصولها في عام 1405، زار خلالها أدميرال صيني على رأس أسطول تميز بضخامة سفنه سواحل بعيدة ومدن عديدة من بينها مكة.

بدأت رحلات أدميرال الأسطول الصيني المسلم " تشنغ خي" الكبرى بأسطوله الضخم المهيب قبل 610 أعوام. وزار في سبع رحلات بحرية أكثر من 50 بلدا وقطع أكثر من 296 ألف كيلو متر، ورسّم 41 طريقا بحريا.

منح المستكشف البحري " تشنغ خي" قبل 90 عاما من بعثة كرستوفر كولومبس نحو العالم الجديد، الصين مجدا بحريا فريدا، وجعل من أسطولها قوة أسطورية في ذلك الزمن البعيد.

تميزت الصين تحت حكم سلالة "مين" في بداية القرن الخامس عشر بامتلاكها لأكبر قوة بحرية في تاريخها. أسطول يتكون من 162 سفينة يقوم عليها 30 ألف شخص. هذا الأسطول الضخم تحديدا كان يقوده الأدميرال والمستكشف المسلم " تشنغ خي".

وُلد " تشنغ خي" المعروف في المصادر العربية بــ "حجّي محمود شمس" في مقاطعة يونان عام 1371 لعائلة مسلمة تنحدر من آسيا الوسطى، وصلت إلى الصين في زمن حكم المغول، وتولت مناصب في عهد الإمبراطور الصيني يوان.

تمثال للأدميرال " تشنغ خي" في الصينتمثال للأدميرال " تشنغ خي" في الصين

جد هذا القائد الصيني البحري ينحدر من بخارى واسمه "ما حجّي"، وحو حفيد سعيد جلال الدين، أحد القادة العسكريين في بلاط الإمبراطور قوبلاي خان الذي تمكن من إخضاع مقاطعة "يونان" جنوب غرب الصين.

بعض الروايات الشعبية تقول إن مغامرات "السندباد البحري" مستوحاة من رحلات هذا الأدميرال الصيني المسلم، مستندة في ذلك على ما عدوه تشابها بين اسم السندباد واسم الأدميرال الأصلي وهو "سيان بو"، ولأن كليهما قام بسبع رحلات بحرية!.

والحقيقة أن رحلات الأدميرال " تشنغ خي" فيها من العجائب الكثير، إذ قاد أسطولا كبيرا تتقدمه 9 مراكب شراعية ضخمة الحجم في كل منها 500 بحار. ويبلغ عرض هذه المراكب العملاقة 45 مترا، وطولها 90 مترا، أي أكثر من طول طائرة "بوينغ 737"!.

إنفوجرافيك: طرق الرحلات السبع للأدميرال الصيني تشنغ خي

إنفوجرافيك: طرق الرحلات السبع للأدميرال الصيني تشنغ خي

زار الأسطول الصيني تحت قيادة هذا المستكشف الفذ بين عامي (1405 – 1433) بلدانا ومدنا وجزرا آسيوية وإفريقية عديدة من بينها، الفلبين وبروناي والمالايو وجاوة وسيريلانكا ومقديشو وعدن وجدة، فيما وصلت مجموعة من الصينيين المسلمين من أعضاء بعثته إلى الأراضي المقدسة في مكة.

بعد موت الأدميرال المسلم أثناء عودته من رحلته السابعة في عام 1433، أو برواية أخرى في عام 1435، توقفت بعثات الاستكشاف البحرية الصينية، وأفل مجد الأسطول الصيني الأسطوري.

علماء الدين في إندونيسيا يكنون تقديرا خاصا للأدميرال الصيني " تشنغ خي"، ويرون أنه قام خلال رحلاته بدور كبير في توطيد الإسلام في بلادهم.

تجسد هذا التقدير في عام 2005، في الذكرى 600 لانطلاق هذه الرحلات البحرية الكبرى بافتتاح مسجد حمل اسمه في مدينة "سورابايا" في جزيرة جاوة الإندونيسية.

وكتب القائمون على بناء المسجد في مطوية بالمناسبة إن "نجاح الأدميرال " تشنغ خي" في الإبحار شرقا قبل 600 عام ترك أثرا وضاء في التاريخ سيبقى إلى الأبد محفوظا في ذاكرة الأجيال".

نماذج لسفن أسطول الأدميرال " تشنغ خي" في معرض  بمقاطعة يونان جنوب غرب الصين

نماذج لسفن أسطول الأدميرال " تشنغ خي" في معرض بمقاطعة يونان جنوب غرب الصين

الصينيون بدورهم يبجلون الأدميرال " تشنغ خي" باعتباره إحدى الشخصيات التاريخية البارة في بلادهم، وهم يفخرون بأنه نموذج مناقض لبعثات الاستكشاف الاستعمارية الأوروبية في القرنين (16 – 19).

دخل الأدميرال الصيني المسلم إلى التاريخ الإنساني من أوسع أبوابه قائدا عسكريا بحريا، ومستكشفا رائدا ودبلوماسيا محنكا، وذلك لأن رحلاته البحرية لم تشهد أية عمليات غزو أو استخدام عدواني للقوة التي كانت تحت يده، باستثناء تصديه لقراصنة تمكن من استئصال شأفتهم.

قناة السويس الأولى .. كيف حفرت؟ .. ولماذا اغلقت 8 سنوات؟ .. وكيف لقي أكثر من 120 الف مصرعهم؟

 

الأردن العربي ( الخميس ) 30/7/2015 م ...  

قناة السويس هي ممر مائي اصطناعي مزدوج في مصر، يبلغ طولها 193 كم وتصل ما بين البحرين الأبيض والأحمر، وتنقسم إلى قسمين، شمال وجنوب البحيرات المرّة. تسمح القناة بعبور السفن في اتجاهين متوازيين في نفس الوقت بين كل من أوروبا وآسيا، وتعتبر أسرع ممر بحري بين القارتين وتوفر نحو 15 يوماً في المتوسط من وقت الرحلة عبر طريق رأس الرجاء الصالح.

بدأت فكرة إنشاء القناة مع قدوم الحملة الفرنسية على مصر عام 1798، وفكر نابليون في شق القناة إلا أن الفكرة بأءت بالفشل، وفي عام 1854 أستطاع ديلسبس في إقناع الخديو سعيد وحصل على موافقة الباب العالي، والذي قام الخديو سعيد بموجبه بمنح الشركة الفرنسية امتياز لمدة 99 عاماً، استغرق بناء القناة 10 سنوات (1859 - 1869)، وساهم في عملية الحفر ما يقرب من مليون عامل مصري، ومات خلالها أكثر من 120 ألف منهم أثناء عملية الحفر على إثر الجوع والعطش والأوبئة والمعاملة السيئة، وتم افتتاح القناة في عام 1869 في حفل مهيب وبميزانية ضخمة، وفي عام 1905 حاولت الشركة تمديد حق الامتياز 50 عاماً إضافية إلا ان المحاولة فشلت لاحقاً، وفي يوليو عام 1956 قام الرئيس عبد الناصر بتأميم قناة السويس، والتي تسببت لاحقاً في إعلان بريطانيا وفرنسا الحرب على مصر ضمن العدوان الثلاثي والذي انتهى بأنسحابهم.

تسببت حرب 1967 في إغلاق قناة السويس لأكثر من 8 سنوات ، حتى قام الرئيس السادات بإعادة افتتاحها في يونيو 1975، شهدت القناة بعد ذلك محاولات لتوسيعها بدأت عام 1980 وكذلك فكرة تحويلها إلى منطقة خدمات لوجستية، وفي 5 أغسطس 2014 تم تدشين مشروع حفر قناة موازية للمر الملاحي الحالي بطول 72 كم، لتمكين السفن والناقلات من عبور القناة في كلا الاتجاهين في ذات الوقت. وتلافي المشكلات الحالية من توقف قافلة الشمال لمدة تزيد عن 11 ساعة في منطقة البحيرات المرة، وتقليل زمن رحلة عبور القناة بشكل عام، مما يسهم في زيادة الإيرادات الحالية للقناة. على أن ينتهي المشروع خلال عام واحد في 6 أغسطس 2015.

تعد قناة السويس أحد أهم المجاري البحرية في العالم، حيث بلغت إيرادات القناة في العام المالي (2014 - 2015) نحو 39 مليار جنيه مصري. ويمر عبر القناة ما بين‏ 8%‏ إلي‏ 12% من حجم التجارة العالمية‏.

افتتاح القناة‏

في 25 أبريل 1859 دشن دي لسبس حفر القناة في عهد الخديوي سعيد، وانتهى العمل بها بعد عشر سنوات في عهد الخديوي إسماعيل الذي سافر إلى أوروبا في 17 مايو 1869 لدعوة الملوك والأمراء ورؤساء الحكومات ورجال السياسة والعلم والأدب والفن لحضور حفل افتتاح القناة الذي عزم أن يقيمه في 17 نوفمبر 1869. وبعد أن عاد الخديوي إلى مصر بدأ في الإعداد للحفل الكبير فاستخدم 500 طاه وألف خادم ليكونوا في خدمة الضيوف، وطلب من دي لسبس أن يقوم بالاستعدادات لضيافة ستة آلاف مدعو وفي يوم 15 أكتوبر 1869 بدأ المدعون بالقدوم ضيوفاً على مصر في بورسعيد مقر الحفل، والتي ضاقت أرجاؤها بالمصريين القادمين من جميع أنحاء مصر لمشاهدة فعاليات الافتتاح، بإيعاز من الخديوي إلى مديري الأقاليم ليرسل كل منهم جماعة من الأهالي بنسائهم وأطفالهم وأدواتهم البيتية وركوبهم، فانتشروا على طول القناة، أعراب، وسودانيين وفلاحين، وصعايدة تعبيراً عن كافة طوائف الشعب المصري. فيما سافر الخديوي مع حاشيته ووزيريه نوبار باشا وشريف باشا إلى الإسكندرية حيث استقل يخته المحروسة وأبحر إلى بورسعيد، ورأى الخديوي السفن قادمة من جميع أطراف العالم تحمل ضيوفه الحاضرين على نفقته الخاصة، واصطفت أساطيل الدول في مرفأ بورسعيد ومن ضمنها الأسطول المصري وقد انتشرت على ضفاف القناة قوات الجيش المصري للحفاظ على نظام الاحتفال. وانطلقت طلقات المدافع مدوية احتفالا بوصول الضيوف واحدا تلو الآخر.‏‏

بدأت الفعاليات بحفلة دينية بعد ظهر يوم 16 نوفمبر 1869، وأقيمت ثلاث منصات خشبية كبيرة على شاطئ البحر مكسوة بالحرير والديباج ومزينة بالأعلام ومفروشة بأثمن السجاجيد ونشرت في أرجائها الرياحين والورود وصفت فيها الكراسي، فخصصت منصة الوسط للضيوف وعلى رأسهم مضيفهم خديوي مصر، وخصصت المنصة اليمنى للعلماء المسلمين في مقدمتهم الشيخ السقا والشيخ العمروسي والشيخ المهدي العباسي مفتي الديار المصرية، فيما خصصت المنصة اليسرى لأحبار الدين المسيحي ورجال الإكليروس وعلى رأسهم المنسيور كورسيا أسقف الإسكندرية والمنسيور باور الرسول البابوي. ونصب على الشاطئ الآسيوي خيالة بورسعيد وعلى الشاطئ الإفريقي المظلات البديعة للجماهير المدعوين. ووقفت السفن بالمرفأ على شكل قوس وكان عددهم يفوق الثمانين بجانب خمسون حربية منها ست مصرية ومثلها فرنسية واثنتا عشرة إنجليزية وسبع نمساوية وخمس ألمانية وواحدة روسية وواحدة دنماركية واثنتان هولنديتان واثنان أسبانيتان.‏‏

تأميم القناة

في 26 يوليو 1956 أعلن جمال عبد الناصر، في ميدان المنشية بالإسكندرية، قرار تأميم شركة قناة السويس، بعد أن سحبت الولايات المتحدة عرض تمويل السد العالي بطريقة مهينة لمصر، ثم تبعتها بريطانيا والبنك الدولي. قدمت بريطانيا على إثر القرار احتجاجاً رفضه جمال عبد الناصر على أساس أن التأميم عمل من أعمال السيادة المصرية. فقامت هيئة المنتفعين بقناة السويس بسحب المرشدين الأجانب بالقناة لإثبات أن مصر غير قادرة على إدارة القناة بمفردها، إلا أن مصر أثبتت عكس ذلك. كان أول رد على قرار تأميم شركة قناة السويس، قيام كلاً من فرنسا وإنجلترا بتجميد الأموال المصرية في بلادهما، في وقت كان للحكومة المصرية حساب دائن بإنجلترا من ديون الحرب العالمية الثانية بقدر في تاريخ التأميم بنحو 135 مليون جنيه استرليني، فيما قامت الولايات المتحدة بتجميد أموال شركة القناة لديها، وكذلك تجميد أموال الحكومة المصرية حتى تتضح الأمور فيما يتعلق بمستقبل شركة قناة السويس، وكانت أموال الحكومة المصرية هناك تقدر بنحو 43 مليون دولار، أي ما يعادل نحو 15 مليون جنيه مصري وقت التأميم. وبلغ مجموع الأموال المصرية التي تقرر تجميدها في إنجلترا وفرنسا والولايات المتحدة ما يزيد على القيمة المالية لشركة قناة السويس، كما قررت الولايات المتحدة وقف تقديم أي مساعدة مالية أو فنية لمصر، وضغطت كلاً من من فرنسا وإنجلترا على سويسرا لتتعاون معها عن طريق تجميد الأموال المصرية لديها، ولكنها لم تستجب لذلك.

وأذعن مدير شركة قناة السويس إلى جميع اتحادات أصحاب السفن بأن يدفعوا رسوم المرور في القناة إلى شركة قناة السويس وليس إلى الحكومة المصرية، وبلغت نسبة مجموع الرسوم التي دفعت إلى الحكومة المصرية منذ التأميم وحتى إغلاق القناة 35% تقريباً والباقي دفع لشركة قناة السويس، وقدر ذلك بأكثر من خمسة ملايين جنيه مصري، وهو المبلغ الذي تقرر خصمه من مجموع التعويض الذي دفعته الحكومة المصرية للشركة أثناء مفاوضات التعويض.

تمثل الرد الدبلوماسي في محاولة تعبئة الرأي العام الدولي ضد مصر، وإقناعه بأن تأميمها لشركة قناة السويس، قد خالف الشريعة الدولية وحطمت مبدأ حرية المرور في القناة، وهددت السلام والأمن في منطقة الشرق الأوسط، ولتلافي كل هذه المخاطر اجتمع كل من وزير خارجية فرنسا وإنجلترا والولايات المتحدة، وأصدروا في 2 أغسطس 1956 بياناً يتضمن أن قرار التأميم الصادر من جانب الحكومة المصرية يهدد حرية الملاحة في القناة، ويهدد الأمن فيها، وفي ذلك مخالفة لأحكام اتفاقية القسطنطينية، لذلك يرون ضرورة إقامة مؤتمر تدعى إليه الدول المنتفعة بالقناة، وهي الدول التي وقعت على معاهدة القسطنطينية، أو التي حلت محلها في الحقوق والالتزامات وهذه الدول هي (مصر، فرنسا، إيطاليا، هولندا، أسبانيا، تركيا، بريطانيا، الاتحاد السوفيتي) ودول أخرى باعتبارها من مستخدمي القناة، وهي (النمسا، سيلان، الدانمارك، أثيوبيا، ألمانيا الغربية، اليونان، الهند، إندونيسيا، إيران، اليابان، نيوزلندا، النرويج، باكستان، البرتغال، السويد، الولايات المتحدة) فيما رفضت الحكومة اليونانية في 11 أغسطس أن تشترك في المؤتمر وفي 12 أغسطس أعلنت الحكومة المصرية رفضها الاشتراك في هذا المؤتمر، ووافقت الهند على الاشتراك بشرط إلا يمس اشتراكها الحقوق والسيادة المصرية، ولا يتخذ المؤتمر أي قرار نهائي إلا بموافقة مصر، ووافقت الحكومة السوفيتية مع المطالبة بتوجيه الدعوة إلى مجموعة أخرى من الدول منها الدول العربية والدول الاشتراكية. واجتمع المؤتمر فيما بين 16 و 23 أغسطس 1956، ونال خلاله المشروع الأمريكي المقدم للتصويت أغلبية الأصوات، والذي تضمن اقتراحاً بإقامة منظمة دولية تقوم على نمط الوكالات المتخصصة التابعة للأمم المتحدة لتشرف على إدارة القناة، وعارضت هذا المشروع كل من (الهند والاتحاد السوفيتي وإندونيسيا وسيلان)، وتم عرض المشروع على مصر ورفضه عبد الناصر، وإزاء هذا الرفض، أعلن رئيس وزراء إنجلترا في مجلس العموم، إنشاء هيئة جديدة باسم هيئة المنتفعين سيكون لها طابع مؤقت وستكون مسئوله عن تنسيق المرور في القناة، وتحصيل رسوم المرور. وانعقد في لندن مؤتمر فيما بين 19 و21 سبتمبر، لوضع القانون الأساسي لتلك الهيئة، وأصدر مجلس الأمن قراره في 13 أكتوبر 1956 الذي تألف من شطرين، أولهما يتضمن مبادئ ستة تكون أساساً للمفاوضات التي تجرى مستقبلاً، أما الشطر الثاني فيتضمن الاعتراف بهيئة المنتفعين التي ستكلف بالإشراف على القناة، إلا أنه لم يفز حين الاقتراع عليه إلا بتسعة أصوات واعتراض صوتين كان منهما صوت الاتحاد السوفيتي المتمتع بحق الفيتو. وأمام فشل السياسة الاستعمارية في تحقيق مآربها عن طريق الضغط الدبلوماسي، دبرت لاستعمال القوة العسكرية.

الرد العسكري والعدوان الثلاثي

قامت كل من بريطانيا وفرنسا وإسرائيل بتدبير مؤامرة ثلاثية على مصر أطلق عليها المصريون العدوان الثلاثي وأطلق عليها الغرب حرب السويس، على إثرها بدأ هجوم إسرائيلي مفاجئ يوم 29 أكتوبر 1956، تلاه تقديم كل من بريطانيا وفرنسا إنذار لمصر يطالب بوقف القتال بين الطرفين، والقوات الإسرائيلية ما زالت داخل الأراضي المصرية ويطلب من مصر وإسرائيل الانسحاب عشر كيلو متر عن قناة السويس وقبول احتلال بورسعيد والإسماعيلية والسويس بواسطة بريطانيا وفرنسا، من أجل حماية الملاحة في القناة، واختتم الإنذار بأنه إذا لم يصل الرد في خلال 12 ساعة، فإن الدولتان ستعملان على تنفيذ ذلك، وأعلنت مصر فوراً أنها لا يمكن أن توافق على احتلال إقليم القناة، وأبلغت مجلس الأمن الذي عجز عن إصدار قرار بسبب استخدام بريطانيا وفرنسا حق الفيتو. وفي اليوم التالي للإنذار البريطاني الفرنسي في 31 أكتوبر، هاجمت الدولتان مصر وبدأت غاراتها الجوية على القاهرة، وعلى منطقتي القناة والإسكندرية. وأصبحت مصر تحارب في جبهتين، جبهة إسرائيل على الحدود، وجبهة الاستعمار البريطاني الفرنسي في الداخل، الذي يهدد باحتلال القناة. فأصدر جمال عبد الناصر الأوامر بسحب جميع القوات المصرية من صحراء سيناء إلى غرب قناة السويس، وتُركت وحدات انتحارية لتواجه اليهود في سيناء. وبدأت عملية غزو مصر من جانب القوات البريطانية والفرنسية من بورسعيد، التي تم ضربها بالطائرات والقوات البحرية، ولكنها لم تستسلم. وحركت مقاومة بورسعيد الضارية للقوات البريطانية والفرنسية العالم ضدهما.

واتخذت الدول العربية موقفاً مندداً بالعدوان وقامت بنسف أنابيب البترول، ومنعوا وصوله إلى بريطانيا وفرنسا، واتخذت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارا في 2 نوفمبر بإيقاف القتال، وافقت مصر عليه، ورفضته كل من بريطانيا وفرنسا وإسرائيل. وفي اليوم التالي وجه الاتحاد السوفيتي إنذار إلى بريطانيا وفرنسا، وأعلن عن تصميمه لمحو العدوان بالقوة، إذا لم تتراجع الدولتان عن موقفهما

كما استهجن رد الفعل الأمريكي العدوان على مصر لرغبة الولايات المتحدة في إظهار اهتمامها بالدول الصغيرة، وأرسل الزعيم الصيني ماو تسي تونغ في 11 أكتوبر رسالة للرئيس جمال عبد الناصر أبدى فيها مساندة الحكومة الصينية والشعب الصيني بشدة للشعب المصري في كفاحه العادل، فأدى ها الضغط الدولي مجتمعا إلى وقف التغلغل الإنجليزي الفرنسي، وقبولهما وقف إطلاق النار ابتداء من 7 نوفمبر، وتلا ذلك انسحاب القوات الفرنسية والإنجليزية من بورسعيد في 22 ديسمبر 1956، وبدأت بعد ذلك عملية تطهير القناة التي انتهت في 11 أبريل 1957، وتكلفت 8.5 مليون دولار.

وكان من النتائج القانونية لتلك المغامرة العسكرية، قطع العلاقات الدبلوماسية من جانب مصر مع كل من فرنسا وإنجلترا في 31 أكتوبر 1956، ووضع الممتلكات الإنجليزية والفرنسية تحت الحراسة، وإلغاء اتفاقية 19 أكتوبر 1954 بين مصر وإنجلترا في 1 يناير 1957 بأثر رجعي يمتد إلى تاريخ وقوع العدوان

حرب أكتوبر

عقب حرب‏ 1967‏ احتلت القوات الإسرائيلية شبه جزيرة سيناء حتى الضفة الشرقية لقناة السويس‏. وارتكزت استراتيجية القوات الإسرائيلية الدفاعية لحدودهم الجنوبية على مانع مائي ضخم وهو قناة السويس‏. ولمنع القوات المصرية من عبور قناة السويس والاستحواذ على الضفة الشرقية،‏ أقاموا خطاً دفاعياً شديد التحصين عرف بخط بارليف نسبة إلي الجنرال الإسرائيلي حاييم بارليف، وهو خط دفاعي يهدف إلى إحباط أي محاولة هجومية مصرية عبر القناة‏.‏ فمثل عبور القناة تحدي ضخم أمام القوات المصرية نظراً للعقبات التي وضعتها القوات المحتلة والتي تمثلت في المانع المائي الموجود بطبيعة الحال وتياراته المائية الشديدة، وسد ترابي هائل‏ أقامته إسرائيل ملاصقاً للحافة الشرقية للقناة‏ وشيدت داخله تحصينات مزودة بجميع أنواع الأسلحة والنيران، بالإضافة إلى الموانع وحقول الألغام المحيطة، ثم حاجز اللهب الحارق المغطي لسطح القناة‏.

‏أقيم خط بارليف على الحافة الشرقية لقناة السويس على بعد عشرات من السنتيمترات‏ من مياهها، على امتداد 170‏ كم،‏ تحتوي 22‏ موقع حصين، وتضم 31‏ نقطة قوية‏، بحيث يتكون كل موقع حصين من‏ 1‏ إلى ‏3‏ نقاط قوية‏ منتشرة على امتداد الخط من جنوب بورفؤاد إلي جنوب بورتوفيق‏، وتبلغ مساحة النقطة الواحدة‏ 4000‏ متر، وهي عبارة عن منشأة هندسية معقدة ومتكاملة تتكون من عدة طوابق، حيث يبدأ أول هذه الطوابق في باطن الأرض‏، ويصل آخرها إلي قمة السد الترابي الذي يتراوح ارتفاعه بين‏ 18‏ و‏25‏ متر‏.‏ وتضم النقطة القوية مرابض النيران ووشم الأسلحة المختلفة المبنية من الأسمنت المقوي بقضبان السكك الحديدية وألواح الصلب‏، وتغطيها من الخارج طبقات ضخمة ومتدرجة من الكتل الحجرية الموضوعة داخل شبكات من الصلب، والتي يبلغ وزن المجموعة الواحدة منها عدة أطنان‏.‏

وجهزت المسافات الواقعة على السد الترابي بين النقط القوية وبعضها على قمة السد الترابي بمرابض للدبابات بفاصل‏ 100‏ متر بين كل مريض، وبلغ عددها‏ 300‏ مربض.‏ في يوم 6 أكتوبر 1973 قامت القوات المصرية بشن هجوم مباغت على القوات الإسرائيلية المحتلة بالضفة الشرقية للقناة، وعبر القناة 8,000 من الجنود المصريين، ثم توالت موجتا العبور الثانية والثالثة ليصل عدد القوات المصرية على الضفة الشرقية بحلول الليل إلى 60,000 جندي، في الوقت الذي كان فيه سلاح المهندسين المصري يفتح ثغرات في الساتر الترابي باستخدام خراطيم مياه شديدة الدفع. وانجزت القوات المصرية في يوم 7 أكتوبر عبورها لقناة السويس، وانتهت أسطورة خط بارليف الدفاعي.

وواصل سلاح المهندسين تدعيم الكباري فوق مجرى القناة لعبور فرق المشاة، فأقام جسرين امتد الأول من القنطرة شمالاً إلى الدفرسوار جنوباً وامتد الثاني من البحيرات المرة شمالا إلى بورتوفيق جنوباً.

إغلاق القناة

أغلقت قناة السويس أمام الملاحة عدة مرات، كان أولها إبان الاحتلال الإنجليزي لمصر عام 1882، في أعقاب الثورة العرابية لمدة مؤقتة، وأغلقت للمرة الثانية لفترة وجيزة عقب العدوان الثلاثي على مصر في عام 1956، وأعيد فتحها في عام 1957. وكان الإغلاق الثالث والأخير بعد حرب يونيو 1967 مع إسرائيل واستمر حتى عام 1975 عندما وقعت مصر وإسرائيل اتفاق فض الاشتباك الثاني

رسوم عبور القناة

يتم تحصيل رسوم عبور قناة السويس بوحدة حقوق السحب الخاصة (بالإنجليزية: SDR - Special drawing rights) "سلة العملات" وليس بعملة واحدة لضمان استقرار عائدات القناة في حالة وجود أي تذبذب في أسعار العملة. وتضم هذه السلة أربعة عملات رئيسية يستحوذ الدولار الأمريكي فيها على نسبة 44,9%، يليه اليورو الأوروبي بنسبة 37,4%، والين الياباني بنسبة 9,4%، ثم الجنيه الاسترليني بنسبة 11,3%، ويؤدي ارتفاع قيمة وحدة حقوق السحب الخاصة التي تحصل بها رسوم العبور إلى انتعاش ملحوظ في عائدات القناة. يقوم بتحديد الرسوم لجنة مسئولة تابعة لهيئة قناة السويس بناءً على دراسة ظروف السوق والمتغيرات الاقتصادية، ونمو حركة التجارة العالمية المنقولة بحراً، ونوع السفينة وحجمها وحالتها ونوع البضائع المشحونة، والنظر في مكسب السفينة العابرة، ومقارنة تكلفة عبور السفينة من خلال قناة السويس مع غيرها من الطرق البديلة، بهدف رفع عدد المستفيدين المحتملين لعبور القناة لزيادة عائداتها التي تمثل 5% من إيرادات الدخل القومي المصري.

 

 

 

مصري اختاروه للسفر إلى المريخ سيزرع فيه الملوخية

 

 

الأردن العربي ( الإثنين ) 23/2/2015 م ...

 

المصري الذي اختاروه مع 99 آخرين للسفر في رحلة بلا عودة إلى المريخ، مؤمن طبعاً بأن الأعمار بيد الله، وبأنه قد لا يلاقي حتفه فيه كما يروّجون، لأنه وزملاءه سيزرعون نباتات تساعدهم على العيش في البيئة المريخية، وهو سيشاركهم بذلك، فيحمل معه بذور نبتة الملوخية التي يعشقها كطبق مفضل ليزرعها هناك، وهذه ليست مزحة، بل سيحمل معه علب كشري وفول وطعمية "إذا سمحوا لي بذلك"، كما قال.

محمد سلّام،الأحد، معروف للمقربين بلقب ميدو، وهو عازب عمره 32 سنة، وغير مرتبط عبر الخطوبة وغيرها بأي فتاة، وهو وحيد في دنياه مع أخيه مروان، الأصغر سنا منه بأربعة أعوام، لأن فاجعة دموية لحقت حين كان مراهقا قبل 14 سنة بأبويه وأخيه الأصغر مصطفى.

واشتهر سلّام حين اختاروه قبل أسبوعين من بين 205 آلاف و586 لبوا نداء منظمة أطلقت في 2012 مشروعا خاصا سمته Mars one لإقامة "مستعمرة بشرية" يؤسسها في المريخ 24 متطوعا ترسل كل 4 منهم في رحلات بلا عودة على مراحل، ومنهم عربي آخر اختارته "مارس ون" الهولندية، وهو عراقي عمره 38 ويقيم في الولايات المتحدة، إلا أننا بحثنا عنه لنتحدث إليه، لكن العثور على نجيب وليد نجيب المتخصص بعلوم الكمبيوتر كان صعبا، كما السفر إلى المريخ والبقاء فيه حيا.

"قبلتي للصلاة ستكون الكرة الأرضية"

وكانت المنظمة، وهي غير ربحية، قلصت مرتين قائمة من اختارتهم، لتصل إلى القائمة الحالية، وهي تضم 39 أميركيا و31 أوروبيا مع 16 من آسيا و7 من إفريقيا و7 من أوقيانوسيا، على أن يتم الفرز النهائي بعد عام لاختيار 24 يتم تقسيمهم إلى 6 مجموعات، في كل منها رجلان وامرأتان، ممن سيتم تدريبهم طوال 7 سنوات، وبعدها تنطلق عام 2023 أول رحلة تستغرق 7 أشهر وتحمل 4 يصلون ويقيمون بمساكن مجهزة ويأكلون مما يزرعون، والباقي سيكون في عهدة رب العالمين.

ويعي سلّام أنه لن يعود من المريخ أبدا، وبأنها تذكرة سفر بلا عودة، وأنه لو سمحوا له بحمل صورة إنسان واحد إلى هناك "فسأحمل صورة شقيقي مروان". أما لو سمحوا بأن يحمل أغنية واحدة فسيختار "يا حبيبتي يا مصر" للمطربة شادية، وفق ما ذكر عبر الهاتف حين اتصلنا به وأضاف: "طبعا سأحمل معي الكتاب الكريم (..) سأكون أول من يحمل القرآن إلى كوكب آخر، وأول من يصلي ويصوم فيه، وأول من يتوضأ ويتيمّم وينادي بالله أكبر عند الأذان" وفق تعبيره.

وهناك إشكالات بمواقيت الكوكب الذي يحلم بأن يختاروه ضمن 24 سيمضون إليه على مراحل، وهي أن اليوم المريخي مختلف بساعاته عن الأرضي، وقال سلاّم: "المريخي أطول بحوالي 39 دقيقة، لكن حل هذه المشكلة ليس صعبا. أما قبلتي فستكون الأرض بأكملها"، مضيفا أنه سيحمل معه علب فول وطعمية وكشري "لأتناولها أثناء الرحلة إذا سمحوا. أما الملوخية فسأزرعها لأنها طبقي المفضل" وفقا لما يتفاءل.

وسألناه : لو افترضنا أنك سترحل عن الأرض اليوم بالذات، ألن تترك فيها رسالة ما لمصر وللمصريين، أو حتى للرئيس عبدالفتاح السيسي لتوصيه بها وبهم"؟ فأجاب سلاّم: "لو كانت مصر بقيادة رجل غيره، لتركت رسالة أمل لها وللمصريين طبعا. أما لأنه يدير السفينة فسأكون مطمئنا عليها وعليهم، ولن أترك أي رسالة. مصر في أمان، وإن شاء الله تكون دائما في أمان" كما قال.

سلاّم يعرف أنه سيودع كل من في الأرض ويرحل عنها حياً، إلا ذكريات ستغفو وتستيقظ في باله دائما على الكوكب الأحمر، ومنها المؤلم القاسي عليه، كفاجعة حلت في منتصف عام 2000 بأبويه وأخيه الذي كان عمره 4 سنوات.. كانوا عائدين بسيارة صديق، ومعه زوجته، من رحلة أمضوا فيها يوما بمنتجع "العين السخنة" البعيد عند خليج السويس 140 كيلومترا عن القاهرة.

كل شيء كان مظلما ليلة العودة عبر طريق السويس الصحراوي، وكانت على الطريق شاحنة ضخمة محملة بالبضائع، فانعطف سائقها إلى مخزن لإنزال حمولته، من دون أن يلحظها الصديق وهو يقود سيارته، فاصطدم بها عنيفا وسط العتمة وتمزقت السيارة، وقضى كل من كان فيها: والده الدكتور سيد، وكان عمره 44 سنة، ووالدته الأكبر سنا من أبيه بعام واحد، إضافة لأخيه الصغير.

ولم يبق على الأرض من العائلة إلا سلاّم الموظف حاليا في "الشركة المصرية للتأمين والتكافل" ومعه شقيقه مروان، الموظف بشركة للمقاولات، إضافة إلى 3 شقق تركها والده كميراث، واحدة من 4 غرف نوم بمدينة نصر، حيث يقيمان، واثنتان في مدينة الشروق، القريبة 12 كيلومترا من القاهرة، الى جانب ذكريات ذكر منها سلاّم الكثير وهو يتحدث إلينا من هاتفه الجوال، ومعظمها مع الأخ الأصغر ومع أبويه، خصوصا الأم شادية يوسف، فقد كانت شهيرة.

كانت مديرة تصوير في "جهاز التلفزيون المصري" وقامت بتصوير فوازير رمضانية معروفة ومسلسلات اشتهرت في معظم العالم العربي، منها "دموع في عيون وقحة" في 1980 وبطله الممثل عادل إمام، إضافة لمسلسل "ليالي الحلمية" بعد 7 سنوات، إلا أنها قضت بالفاجعة، تاركة ابنا سيبقى على الأرض وآخر يحلم أن يصبح أول من يصل في التاريخ إلى ما لم يسبقه إليه سواه.