نقد

عندما تصبح الكتابة وطناً.. ورواية " صخرة نيرموندا" للروائي والتشكيلي بكر السباتين..

 

نوال فاعوري * ( الأردن ) الأحد 28/2/2016 م ...

ثمة أوطان تُختزل في روائي. يحمله على كاهله، في روحه وفكره، وحين يريد التخفيف من أعبائه قليلاً يضعه على الورق. هكذا يفعل بكر السباتين بوطنه الكبير فلسطين والذي يسكنه . وما زال يكتبه في روايات سردية طويلة متعددة الأساليب والعناوين، لبناء مشروعه الروائي الذي يتصدى لظاهرة تهميش القضية الفلسطينية ودثر معالم المدن السليبة وذلك بدءاً من روايته الأولى "ثلوج منصف الليل" والثانية "واختفت مهيرة - الرحيل إلى الذاكرة الأخرى" وصولاً إلى تحفته الأدبية "صخره_نيرموندا" التي صدرت مؤخراً عن دار (الآن) بدعم من وزارة الثقافة الأردنية. ثمة من يختزل وطنه في عنوان مثلما فعل (رسول حمزاتوف) في (بلدي داغستان).. ومن يختزله في حارة كما فعل نجيب محفوظ في الكثير من رواياته العظيمة. أما بكر_السباتين فهو روائي بحجم وطن، ووطن بحجم روائي يعتمر به ويصلي لخلاصة متبنياً همومه بجدية وإخلاص. بكر السباتين كاتب لا بد أن يدهشك بجمال لغته السردية المعززة بالصور الشعرية الأخاذة، بعذوبة كلماته وبديع عباراته، وعميق معانيه؛ فتغريك كثيرٌ من جمله على البقاء أطول، فأطول، إذْ لا ملل في حضرة الدهشة التي تقدحها العبارات المفعمة بالحياة، وكهوف المعاني التي تنتظر من يكتشف كنوزها. فتستعيدك الرواية لتتجول فيها كلما انتهيت من قراءتها.. تعيد قراءة بعض فقراتها الآسرة، تتذوق جملها، تتحسس وقعها في قلبك، تسمع تردادها في عقلك، فتعتريك رعشة الانبهار. سبحان من علمه وأنطقه!. أن تصبح الكتابة وطناً يعيش فيها الكاتب أكثر مما يعتاش منها أو عليها، هي الكتابة، بألف ولام التعريف. أما الكاتب الوطن، فهو من يكتب عن وطن ويبنيه، يبحث عنه ويصنعه من ذاكرة لا تبور؛ فيلوذ إليها كلما يشعر بالحرمان. رواية "صخره_نيرموندا" تحمل في طياتها رؤية إنسانية بلغه سردية مليئة بالصور الشعرية الزاخرة بالأساطير والرموز الكنعانية واليهودية، من خلال بطلها سعد الخبايا الذي يبحث عن الحب المستحيل ليذوب في الموت عشقاً بحب يافا الفاتنة.. وأميرتها الأسطورية "نيرموندا" التي أسرها الغزاة بربطها على صخرة حملت اسمها.. لتمنحه طاقة الانبعاث لكي يتمسك بحبه الواقعي لبلقيس التي خرجت له من خبايا الأرض. أن تكون أحد عناصر العوالم التي تصنعها الرواية هي الرواية بألفِ ولام التعريف. أن لا تحسّ بنفسك غريباً بين سكانها، أن تشعر أنك واحدًٌ منهم فتحزن لحزنهم، وتفرح لفرحهم، وتضحك لضحكهم، وتتألم لآلامهم. وحين تودعهم في نهاية رحلة القراءة يهمسون في أذنك: "سنظل على تواصل.. لن نذهب بعيداً.. فنحن نعشش في ذاكرتك". هناك حيث ينضمون إلى آخرين، إلى جنة الكتب. إن كنت من محبي قراءة الروايات فأنت لم تقرأ شيئا إن لم تقرأ روايه بكر السباتين "صخره_نيرموندا ".. فمثل هذه الروايه يجب أن تقرأ بكل اللغات، ومن كل شخص قادر على القراءة. من يكتب عن بلده بكل هذه الحرقة والعاطفة! فمثل هذا البلد لن يموت، ستخلده الكلمات. بعد قراءتك لرواية "صخرة نيرموندا" سيتغير فيك شيء ما.. لن تعود حياتك إلى سابق عهدها. هذا الأثر الإيجابي هو أهم ما يميز النص في نظريات التلقي الحديثة. وإذا قيل لي ما هي الرواية الوحيدة التي ترغبين في أن تصطحبيها معك في رحلة إلى المريخ لقلت رواية "صخره_نيرموندا" . اقرءوها وكأنها آخر رواية يكتبها إنسان على وجه أرض ستؤول إلى لا شيء مع آخر كلمة فيها. وأعيدوا قراءتها بنفس الإيقاع، فلربما تصغي لقراءتكم الأرض فتتوقف عن العبث والترنح لتستمر في الدوران. بطل الرواية سعد الخبايا.. عذبته رحلة البحث عن سر الطفلة المجهولة عبير التي يتهددها والدها بالذبح.. لتغرقه في هموم يافا حتى عانق الموت لأجل هذه المدينة التي دفن ملامحها الاحتلال.. وكانت "نيرموندا" أميرة يافا التي تحررت من الأسر فلم تغلق على قلب سعد الخبايا الأبواب لهذا لم يختنق كمدا؛ بل استدرجت لأجله بلقيس التي خرجت عليه من خبايا الأرض.. لتنتهي الرواية عند عتبات النكبة؛ فيرتحل بهم البحر إلى المنافي أو يعانقون الموت. ربما أتهم سعد الخبايا بقتل رئيس البحارة خطّاف، زوج معشوقته بلقيس!..أو بزهق روح العرّافة الغجرية التي تنبأت بكل المصائب المحيطة بسعد وخصمه داود اليهودي حتى خطاف نفسه..أو بإحداث حريق في مزرعة طيور *"الوقواق" لتنتشر في سكنات وأرياف يافا، ربما حدث معه كل ذلك؛ لكن الموت الزؤام، كانت أشداقه مفتوحة على النهاية.. وتفرقت يافا في قلوبهم.. واعتمرت بها ذاكرة لا تبور.. وظلت قلادة البحر المتوسط، يافا، كصخرة "نيرموندا" تنتظر أميرتها كي ينبش عن حكايتها الأجيال التي تأبى الغياب. لن أبالغ وقد قرأت الرواية بشغف.. يأخذني التشويق إلى الخاتمة لأسترد بدايتها في رحلة جديدة عبرها؛ لأحتسي قهوتهم.. وأمضي في طريقي حتى النهاية.. اقراؤها وكأنها آخر رواية يكتبها إنسان على وجه أرض ستؤول إلى لا شيء مع آخر كلمة فيها. وأعيدوا قراءتها بنفس الإيقاع, فلربما تصغي لقراءتكم الأرض فتتوقف عن العبث واللف وتستمر في الدوران.. يافا ذاكرة لا تبور ما دام هناك من يحتضن ملامحها ويحتسي قهوتها وينان ليحلم بها.

*طائر الوقواق يمتاز بمكره.. يغاقل الطيور الأخرى فيحطم بيوضها ليضع محلها بيضته.. فتفقس؛ ليرعاها الطائر المخدوع. فما أن تكبر صيصان الوقواق حتى تقوم بطرد صاحب العش الذي رباها.

**كاتبة من الأردن

قراءة في كتاب ... الهنود الحمر ودولة كنعان للمؤلف منير العكش

 

محمد العبد الله ( فلسطين ) الإثنين 23/11/2015 م ...

أغنى الدكتور والباحث «منير العكش» المكتبة العربية بعشرات الكتب والدراسات باللغة العربية والإنجليزية، والترجمات. لكن كتاب «دولة فلسطينية للهنود الحمر- 445 صفحة إصدار رياض الريس للكتب والنشر» الذي نقدمه بهذا العرض السريع والمختزل، بالنظر لما يتضمنه هذا الإنجاز البحثي الاستثنائي، هو الأحدث في إصدارات الكاتب، فقد زود الكاتب المعرفة العربية بعدة كتب هامة ساهمت بتسليط الضوء على مراحل تأسيس الولايات المتحدة الأمريكية، «المستوطنة/المستعمرة» البيضاء على يد غزاة «بيض» قدموا من القارة الأوروبية، ومارسوا واحدة من أبشع وأقسى مجازر الإبادة البشرية في التاريخ.

لقد أسست كتب المؤلف «أميركا والإبادات الثقافية» و«أميركا والإبادات الجنسية» و«حق التضحية بالآخر،أميركا والإبادات الجماعية» و«تلمود العم سام:الأساطير العبرية التي تأسست عليها أميركا» وصولاً للكتاب الذي بين أيدينا، لعمل متكامل، ساعد جمهور واسع من  القراء والمهتمين على معرفةِ واقع النشأة والتأسيس والامتداد لـ«الولايات المتحدة الأمريكية»، حيث تظهر بلاد «الحلم الأمريكي» وقد انكشف زيفها، ليس بواقع دور الهيمنة والتدخلات العسكرية وسواها في عالم اليوم، بل في الوضع الذي آل إليه أصحاب الأرض الأصليون في معازل أشبه ماتكون بالقبور.يتضمن الكتاب ستة فصول مع مقدمة وملحق وصفحات عديدة تحتوي المراجع وفهرس الأعلام والأماكن.

أما اختيار الكاتب لـ “فاتحة هندية” كبداية لرحلة القراءة في صفحات الكتاب، فقد جاءت لتحدد الهدف من الدراسة البحثية والتاريخية التي صاغها بكل موضوعية وتفرد. فهذه البداية اللافتة، كانت خطبة الزعيم الثائر، نبي المقاومة للشعوب والأمم الهندية «تِكومْسِه» في أيلول / سبتمبرعام 1811  التي شكلت «مانيفستو...البيان الشامل» خطة العمل للتصدي للغزاة، بكل ماتتطلبه من وحدة الصف ووحدة الهدف. يقول الزعيم« ليس أمامنا سوى أن نقاوم أو ننتظر الإبادة... إذا اتحدنا جميعاً فإننا سنصبح أقوى من (الغزاة) البيض، أما إذا تفرقنا فإننا لن نستطيع مقاومتهم بل إنهم سيهزموننا ويسرقون أوطاننا ونتناثر كأوراق الخريف في الريح العاتية». كانت نبؤة، لكنها تحققت على ارض الواقع بفعل عوامل عديدة، في مقدمتها العامل الذاتي: طبيعة الروح السلمية في معتقدات ومكونات تلك الشعوب التي بنت حضارة، فاجأت غزاتها المتوحشين.

رجال الكهنوت والفلاسفة في تسويغ الإبادة

في عملية تزاوج تكررت عبر التاريخ الاستعماري في العالم، تتوضح في الغزوة الأوربية للقارة الأمريكية، العلاقة العضوية المباشرة مابين التمهيد الفكري الذي يرتدي لبوساً «دينياً» على يد المبشرين ورجال الكهنوت وحملة الأفكار العنصرية ممن يوظفون العلوم النظرية لتأكيد التفوق العرقي «المزيف» وخاصة أولئك الفلاسفة، الذين نتعرف على أحد عنصرييهم الفاجرين «توماس هوبس» الذي مارس عملية تزوير فاضحة للواقع السياسي والاجتماعي الأمريكي من خلال تأكيده على أن طبيعة كل الشعوب والأمم الهندية لاتسمح لهم بإنشاء دولة أو بحكم أنفسهم، فهم حُكماً مجرد «وجود للموت».هكذا استحق «هوبس» تسمية «فيلسوف التوحش»، وبالوقت ذاته، أحد الأعمدة التي قامت عليها «شركة فرجينيا» في تأكيد جديد على قدرة رأس المال المتوحش، فكراً وممارسة، على تجنيد الميكيافيللية الدينية على يد المبشرين، والفلسفة من خلال اكتشاف «هوبس» للقانون الطبيعي للاستيطان ونهب أراضي الغير. أما فيلسوف «التسامح البريطاني» جون لوك الذي ساهم بنشاط الشركات الاستعمارية وفلسف «أخلاق النخاسة»، فقد برر في رسالته عن التسامح ،بأن إبادة الشعوب الهندية تهدف لتخليص «مملكة الله» أرض الميعاد من وجود الوثنيين المتوحشين فيها، لأن أي تقصير في تطهير تلك الأرض هو «خيانة عظمى» .

إذا كان الآباء المؤسسون للمستعمرات/المستوطنات الأولى على أرض أميركا الشمالية قد مارسوا عمليات الطرد للسكان الأصليين، فإن الرؤساء الأميركيين المتعاقبين استكملوا مراحل الإبادة الجماعية بمذابح وحشية قل نظيرها بالتاريخ الإنساني. ويبرز دور «جورج واشنطن» المؤسس الفعلي للولايات المتحدة، أو «موسى الأميركي» تماهياً مع موسى بني اسرائيل في فتح بلاد كنعان الهندية وإبادة أهلها وتدمير أي أمل لهم في الدولة التي تكررت وعوده لهم بإقامتها، بالاطلاع على أقواله «ليس هناك من يطرب للحرب على الهنود مثلي أنا... أزيلوا كلاب جهنم هؤلاء من على وجه الأرض» أو على رسائله لقادته العسكريين التي نجد في ماكتبه للجنرال «سَليفن» أصدق تعبير عنها «عندما نسحقهم سحقاً كاملاً علينا أن ننادي بالسلام مستغلين خوفهم لتحقيق المزيد من المكاسب». كما أن سجلات الوثائق تكشف لنا كيفية سلخ فروات رؤوس شعوب تلك الأمم الجنرال «جورج كلارك» المقرب من واشنطن سلخ وحده أكثر من سبعين فروة رأس في حملته على شعب «الشاوني» كما تكشف سجلات المكتبة التاريخية لولاية إلينوي _ وتقطيع جثثهم وتحويل جلودهم لصناعة أحذية «جزم» للضباط، وإطعام عجائزهم للكلاب المسعورة في حفلة رقص وفرح مجنونة تزيدها دموية نشوة زجاجات الكحول.بل إن التسلية الرياضية المفضلة لأبناء شعب الله هي تجرع الكحول والسُكر، ثم الذهاب لقتل الهنود وإحراق بيوتهم ومزارعهم. «فصيد الهندي لايختلف عن صيد الدب أو الجاموس البري» كما يقول جون هكويلدر. لقد تحول الرئيس «واشنطن» في الدين المدني الجديد «إلهاً» كما كتب عنه أحد المستوطنين «كدنا ننسى أنه إنسان وصرنا نراه كائناً إلهياً أرسل إلينا من عالم غير هذا العالم».وتشهد احتفالات يوم مولده «اليوم المقدس» كل سنة أكثر مما يشهده ميلاد السيد المسيح: ملايين البرامج الاحتفالية التي ترهق الميزانية، وملايين المقالات التي تمجد هذا «الكائن» غير العادي. وتبرز لوحة «تأليه واشنطن» التي تزين قبة مبنى الكونغرس «الكابيتول» كتعبير عن حالة التقديس التي يشعر بها المستوطنون نحوه. هذا الكائن غير العادي الذي هجر الدراسة وهو في الرابعة عشرة من عمره، وقال عنه الرئيس «جون أدامس»: «إن رئيسنا أمي جداً...لم يقرأ شيئاً، ولم يتعلم شيئا» .

الفلسطينيون والهنود ...هل من مقاربة؟

    بداية، لابد من تفكيك الالتباس الذي أحدثه الكتاب لدى الكثيرين ممن قرأوا العنوان فقط. إذ ليس هناك أي صلة أو مقارنة مابين شعوب الأمم الهندية والشعب الفلسطيني وبالتالي "الدولة الفلسطينية". في لقاء للكاتب مع صحيفة عربية تصدر في لندن (آب/أغسطس 2015) يعيد التأكيد على "المعنى الإسرائيلي لأميركا، وهو فكرة مركزية في كل دراساتي الأميركية، ليس فيه ما يدل، لا من قريب ولا من بعيد على مقاربة بين الشعب الفلسطيني والهنود الحمر. والقول إن فكرة أميركا مستنسخة من فكرة إسرائيل الأسطورية، أو أن كل تفصيل من تفاصيل الغزو البريطاني لشمال أميركا، حاول أن يجد جذوراً له في تلك الإسرائيل الأسطورية، أو أن الموجات الاستيطانية الأولى استنسخت أحداثها وتقمصت أبطالها وعاملت الهنود على أنهم كنعانيون، لا يعني أبداً أن الفلسطينيين صاروا هنوداً حمرًا ونبت في رؤوسهم الريش. هذه المقاربة لا تتم إلا بمنطق الكيمياء السحرية. نعم، هناك كثير من التشابه، بل كثير من التطابق بين الجلادَيْن: جلاد الهنود وجلاد الفلسطينيين، أمّا الضحيتان فمختلفتان تماماً؛ مختلفتان في الزمان والمكان والتاريخ والجغرافيا، كما في التفكير والثقافة ونمط الحياة. وأهم من ذلك كله اختلافهما في مقاومتهما للغزو وفي حظهما من الانتصار. فسواء طال الزمن أو قصر، ليس من مستقبل لكيان صهيوني في فلسطين". لهذا، جاءت محاولة تأسيس كيان "هندي كنعاني" كما نادى به المبشر "اسحاق مكوي" أحد أهم منظري ومنفذي سياسية تهجير الهنود وحصرهم في بدائل أطلقوا عليها "دولة هندية،وطن هندي، يعيشون فيه للأبد!" ككذبة كبرى يجترها المفاوضون الغزاة في كل جلسات التفاوض مع زعماء الهنود التي تنتهي بتوقيع معاهدة كما حصل مع هنود الدولاوير، لإقامة ولاية (دولة) هندية، تفضي لترحيل شعوبهم وحصرها في مناطق محددة "معازل/سجون" تمهيدا لإبادتها، كما ظهر بعد اسبوعين من توقيع المعاهدة،عندما تم تسميم "وايت آيز" الزعيم الهندي_الذي أدار المفاوضات ووقع المعاهدة وعمل على تقديم خدماته من خلال شق الصف الهندي ووضع أتباعه في خدمة الغزاة ضد شعبهم_ بجراثيم الجدري على يد أحد جنود الجنرال "مكنتوش" الذي كان يدير المفاوضات عن الجانب الأمريكي.

    في سبيل تنفيذ سياسة قضم وابتلاع أراضي الشعوب الأصلية، انطلقت موجات من الإبادة نفذها "شعب الله المختار"الإنكليزي أولاً، ثم لحقت به شعوب أوروبية أخرى.وإذا كانت المذابح الوحشية التي مورست على البشر، وحرق المزروعات والأشجار المثمرة التي أبهرت بأنواعها وطرق زراعتها وووفرتها، الغزاة البيض ممن نفذوا أوامر قادتهم كجورج واشنطن وسواه، هي فصل الختام في إبادة مايقارب من عشرين مليوناً من أصحاب الأرض الأصليين، فإن أساليب المراوغة والتضليل التي مارسها قادة المستعمرين/المستوطنين، قد عرفت نصب فخ "تبادل الأراضي" للهنود على يد الرئيس الثالث "جفرسون" وماتبعه من رؤوساء، هذا الفخ الذي أعاد نصبه بعد قرنين من الزمن المستعمر الصهيوني الفاشي "إفيغدور ليبرمان" وتلقفه وسوقه بعض المسؤولين العرب...والفلسطينيين.

  الرقيق الأسود في خدمة الغزاة

   ساهمت سفن شحن الرقيق الأسود في ظهورالعبودية في تجمعات المستعمرين البيض، من أجل تأمين الأيدي العاملة للقيام بالخدمات، سواء في الأرض أو المنزل. فالعبودية "بمعناها العرقي والطبقي" كانت _ومازالت بأشكال متعددة_ جزء من "الحلم الأمريكي" لأن" العيش من دون رقيق في هذه المستعمرات، مستحيل أخلاقياً" كما اعترف قديس الاستيطان "وليم بيرد".لهذا انتعشت تجارة الرقيق وراجت سوق النخاسة، ليصبح "اقتصاد الرقيق" مرتبطاً بانتشار وتوسع المستعمرات البيضاء وأحد الأدلة الملموسة على نجاح الديمقراطية الأمريكية.وهذا ماظهر في دراسة حالة العبودية عند عائلة " واشنطن" فوالد جورج واشنطن"أغسطين" وَرِثَ خمسة أرقّاء من أبيه في عام 1715،لكنه وَرَّثَ أولاده أربعين رقيقاً أسود عندما مات في 1743.أما جورج فقد كانت حصته من تركة أبيه عشرة فقط، لكنه عندما مات كان يملك 123 رقيقاً أسود.

  من المُتَوحش؟

    لم يتوقف سيل عبارات الكذب والتضليل عن وحشية أصحاب الأرض الأصليين، التي ساقها المبشرون والفلاسفة وجنرالات الحرب لتبرير جريمة إبادة عشرات الملايين من الشعوب والألم التي أقامت عليها منذ آلاف السنين. أبهرت الثروات الزراعية على سطح الأرض أو المعدنية في باطنها، عيون وعقول الغزاة، فاستثارت غرائزهم لاغتصاب كل شيء تصل لهم أيديهم. تعرف المستعمرون لأول مرة على :البطاطا والتبغ والذرة والأفوكادو والفستق السوداني وحقول الشوكولا...ولم يدركوا أهميتها وظنوا أنها من مأكولات "المتوحشين".وبالإضافة لهذا التنوع، فإن الأساليب والطرق المستخدمة في الزراعة والري، أذهلت أولئك الغزاة. وفي هذا الجانب، تأتي شهادة عالم الإنسانيات الأمريكي "جاك وذرفورد" لتوضيح ماحاول المستعمرون،إنكاره "الهنود أكثر شعوب الأرض التي أجرت اختبارات زراعية وتفننت في إنتاج المحاصيل التي لم يعرفها العالم وليس لها من أسماء إلا في لغاتهم". وكما برعت تلك الشعوب في الزراعة، فقد تفوقت في الصناعة أيضاً. فمن صناعة القطنيات إلى صناعة الكاوتشوك إلى صناعة الأصباغ والأواني النحاسية والفضية والذهبية، وغيرها.

  على صعيد المجتمع والعلاقات الاجتماعية، كانت ثقافات الأمم الهندية تؤمن بقانون البراءة السائد بينهم منذ قرون طويلة. ويقض هذا القانون باحترام حياة الإنسان غير المحارب وحريته ومُلكه.كذلك كان الاغتصاب محرما،ً وهو تحريم طبيعي في ثقافة تعلو فيها منزلة المرأة على منزلة أختها في معظم ثقافات أوروبا.ولهذا كان قرار الحرب لايتخذه الرجال الهنود، بل تتفرد به نساء حكيمات يطلق عليهن اسم "أمهات العشيرة".

 لنقرأ مايقوله الزعيم "لام دير" من هنود لاكوتا " قبل أن يأتي إخواننا البيض ليمدنوننا ماكان عندنا سجون، لأنه لم يكن عندنا مجرمون.لم يكن لبيواتنا أقفال لأنه لم يكن عندنا لصوص.وعندما يكون بيننا فقير دون حصان او مسكن أو غطاء نتسارع لنهديه كل مايحتاج. نعم كنا( غير متمدنين)".

   طين الأرض هو الأبقى

  يختتم الكاتب فصول كتابة بشهادةٍ يمكن لها أن تكون "خاتمة هندية" : حين أخفق المفاوضون البيض في معاهدة فورت كروسينغ" أيلول/سبتمبر1879" في إقناع الزعيم الهندي "كروفوت" ببيع بلاده،تقدم منه أحد المفاوضين ونثر أمامه كومة من الدولارات لإغرائه وإغوائه. فأدرك الزعيم أن مفاوضه المتعجرف بطيء الفهم فانحنى إلى الأرض والتقط بكثير من الاحترام حفنة من الطين، كوّرها ثم وضعها في النار، وقعد صامتاً إلى أن تحولت إلى قرميدة صلبة.عندها أخرجها وقال لمفاوضِه:"تفضل الآن، وضع أوراق دولاراتك في النار لنرى ما إذا كانت ستصمد كما صمد طين هذه الأرض". قال المفاوض الأبيض:"لكنها ستحترق، إنها مصنوعة من الورق". وهنا قال الزعيم: "هه،إذن فإن دولاراتك أوهى وأبخس من هذه الحفنة من طين الأرض.مانفع دولاراتك إذا كانت النار تحرقها، والريح تسفعها والماء يعطبها".

 هل يمكن لهذه الشهادة أن تكون درساً في فهم قدسية تراب الوطن ؟.

_________________________________

المؤلف في سطور:

- يعرف ذاته : سوري بالمولد وفلسطيني بالاختيار .

- قبل تقاعده عام 2013، عمل استاذاً للإنسانيات واللغات الحديثة ومديرا للبرنامج العربي في جامعة "سفك" ببوسطن، وقبلها في جامعة بوسطن، وجامعة ولاية كونتكت في ستورز.

-  زود المكتبة العربية ب 22 كتاباً ، تأليفاً أو تحريراً أو ترجمةً.

- يعمل على تأليف كتاب جديد عن "الدين في أميركا".

 

جماليّات الصّورة الحسيّة والأيروسيّة في قصّة "الضّياع في عيني رجل الجبل"(1) للدّكتورة سناء الشّعلإنّ / الأديب الناقد: عباس داخل حسن

 

عباس داخل حسن ( العراق ) الثلاثاء 29/9/2015 م ...

إضاءة:

    إنّ قصص الحبّ تبقى قصص خالدة مادام الإنسان هو صاحب المركز الأسمى في الكون،وقصص الحبّ قصص تفاعليّة؛لأنّ البشر لديهم ذات المشاعر والغرائز والأحاسيس،فهذا النّوع من السّرد القصصيّ يلهب مشاعر القارئ في تجاربه،ويخرجها إلى فضاء الحريّة "التّخيلة" الطّاهرة بدلاً من الحجر المدنّس " الكبت" .لا سيما أنّ الكبت أصبح من سمات الشّرق المقموع بتابوات سلطويّة متعدّدة،وهذا المنع يصبح مرغوباً فيه ومثيراً للذّة،إضافة للذّّة النّص نفسه وفضاء لكسر التابو والتّوق للتّعبير عن حقّ خصّ الرّجال دون النّساء بسبب رغبة التملّك العارمة والسّلطة الذّكوريّة " السّلطة بديل الحبّ" .ويقول الرّوائي وكاتب السيّرة والمؤرّخ إندريه مورو (1885-1967) :"إنّ الأعمال التي يلهمها الحبّ لابد إنّ تبقى مازال هناك في هذه الحياة متسع للحنان والجمال" .

    ما لا يستطيع العلم تفسيره هو كيف ومتى يبدأ الحبّ،لكنه يبقى من أسمى المشاعر الإنسانيّة وأرقى الحالات الوجدانيّة على وجه الأرض،ومن دونه لا تستمر الحياة إنّ الحبّ أساس الانسجام واللّذة،ويرتبط بالرّغبة وأساس العلاقات الإنسانيّة.

    الحبّ والعشق ثيمتان رئيسيتان وحجر الارتكاز في أغلب أعمال الأديبة سناء الشّعلان،ممّا يزيد من متعة  السّرد القصصيّ التي تستخدم فيه طاقة تخيلية نافذة،وتفتح أبواباً متعددة حول موضوع الحبّ  ومزج الواقع بالخيال بميكانيزم السّرد بعيداً عن الاختلاق الفنتازيذ.ويقول الرّوائيّ غابرييل غارسيا ماركيز "إنّ أجمل ما يحبّه الأطفال هو الخيال في القصص،وليس الاختلاق الفنتازي،إنّ الفرق بين الأسلوبين مثل الفارق بين الكائن البشريّ والدّمية التي تتكلم من بطنها" .

 السّبب الوحيد الذي يجعل القارئ يعيد قراءة أيّ نصّ أدبيّ لمرات عديدة هو الأسلوب الذي يتطابق مع الأنسنة على الرّغم  من إنّه مكتوب بخيال الكاتب  وتكنيكه الخاص.وهذا ما تجسّده قصة "ضياع في عيني رجل الجبل".وجعلت شخصيّة بطلة القصّة هي شخصيّّة الكاتبة  لخدمة الخيال السّرديّ في جعل بطلة الحكاية أكثر حيوية ومقنعة بقوة،كلّ ذلك يحدث بفضل الخيال.وقصص الحبّ ليس ظاهرة إنسانيّة تعود للأمس القريب،بل هي ظاهرة منذ أن وجد الإنسان على وجه الخليقة .

     "إنّ الإبداع والأصالة لا تنحصران في أفكار جديدة،بقدر ما تنحصر في التّأليف بين أفكار قديمة،أي أنّنا نعيد ذواتنا والآخر بشكل جديد" (2) .

   والحبّ يتحقّق في الآخر من الوجود ،ويقترن بالجنس،وأنسنة الجنس هي عملية لا يمكن أن تنتهي على الإطلاق؛لأنهّا ديمومة الوجود البشريّ،والإشكاليّة التي تعترض الحبّ والجنس الاختيار والحريّة.و بات عندنا من المحرمات على الرّغم من أنّ الهنود كانوا يمارسونه بوصفه طقساً عبادياً مقدّساً و"الكاما سوترا " فن الحبّ عند الهنود" أو "حكم الرّغبة الجنسيّة" مثال يدرّس في العالم كلّه بوصفه أساساً للأيروسيّة والجنس.والتّراث العربيّ زاخر  بالكثير من المؤلّفات من هذا الضّرب؛لأنّهت من ثقافة المجتمع السّائدة آنذاك،وهي غير محرّمة أو مبتذلة،وهناك مئات المخطوطات في هذا الضّرب،لم يحقّق أو ينشر منها إلاّ عدد محدود جدّاً،ولو ذكرناها لهالنا العدد الكبير جدّاً،وضاع أضعاف ما موجود على سبيل الذّكر لا الحصر: تحفة العروس،الرّوض العاطر في نزهة الخاطر ، وتنوير الوقاع في أسرار الجماع،نزهة الأصحاب في معاشرة الأحباب،رشف الزّلال من السّحر الحلال.

    وقد ألّف كبار علماء الدّين في هذا المجال،منهم ابن القيم الجوزية وابن حزم الظّاهري ومحمد النّفزاوي واحمد بن يوسف التيفاشي ونصر الدّين الطوسي،كما ألّف الأمام جلال الدّين الأسيوطي ما يناهز 25 مؤلفاً تتعامل مع المسائل الجنسانيّة،كما ألف الكثيرون غيره في هذا الحقل المعرفيّ الذي يرى فرويد أنّ الدّافع الغريزيّ الأساسيّ للأفعال النسانيّة،وبدلاً من دراستها وإخضاعها إلى علم النّفس والطّب والصّحة باتت محجور عليها،وتُقرا كممنوعات مهربة بين أيدي الشّباب العربيذ دون إخضاعها للتنقيّة والتّطور العلميّ والمعرفيّ،ودحض ما علق بها من مغالطات كثيرة جدّاً،كما أنّها انطوت على صواب كبير في معرفة علم الجنس الذي سبقنا به المتقدمين وبقية الشّعوب التي أولته أهمية كبيرة في الدّراسة والتّصنيف.

    لكن مع الزّمن أصبح الحبّ والجنس من المحرّمات الثّلاث "الدّين والسّياسة والجنس" ،وعلى المرأة تجنبه ولو بوحاً أو كتابة نتيجة للانّحطاط والتّراجع الحضاريّ الذي شوّه المجتمع العربيّ،وبات مجرد التّعبير عن بعض الموضوعات  فعل محرم،وبدا التّحايل على هذا الكبت من خلال الرّمز والإيحاء والإعتام المتعمّد حتى عند الذّكور .

    تقول الأديبة سناء الشّعلان في إحدى لقاءاتها المتلفزة "إنّنا أمّة تعاني من كبت نفسي وأمراض شتّى" وهذا مرده لمنع البحث عن الذّات بحرية ومعالجة أمراضنا بمعرفة علميّة،وعلى رأسها الجنسيّة التي عدّها أفلاطون هبة الآلهة للإنسان وطريق التّشويق إلى الخير والخلود .

    والمنع غير مستند إلى أيّ شرعيّة أو مرجعيّة أصيلة وواضحة من السّلطات المتعدّدة التي تختبئ وراء طهارة مزيفة واستبداديّة طاغية حاولت سبغه بالابتذال والانّحطاط والإنكار والأثميّة،وهذا متأتّي من جهل معرفيّ وفلسفيّ متراكم ونكوص في البحث العلميّ والفلسفيّ والأنثروبولجي ...إلخ. 

     بدأت المرأة تخوض معركتها في ظلّ هذا المشهد المتشابك والمعقّد   بأسلحتها النّاعمة من خلال الكتابة والكلمة فتقول سناء الشّعلان:" لا أستسلم للصمت والخوف وأحتال على البطش، لكنّني أصمم على أن أقول ما أؤمن به،ولو اخترقت التّابوات كلها،ولكنّني أؤمن بأنّ الحرب النّاعمة أكثر إيلاماً وجدوى في عالم الأدب في حين أنّ المواجهة الكاملة هي نوع من التّعري الفجّ الأحمق لا مبرر له في جلّ الحالات.إنّ الأدب التي تنتجه المرأة في المشهد العربي يشبه حالها وفكرها وتكوينها وظروفها " (3).

    إنّ قصة "الضّياع في عيني رجل الجبل" تمثل كسر للاحتكار الذّكوريّ في الحبّ الذي تستبد فيه الرّغبة والتّوق النّفسيّ  الذي لا يكتمل دون الأيروس،وفي ذلك يقول الكاتب البيروفي مارغو فارغاس يوسا " إنّ الأيروسية نزع صفة الحيوانيّة عن الفعل الجنسيّ "،وهذا على درجة كبيرة من الصّحة،ولو اطلعنا على الميثولوجيا الإنسانيّة عند الشّعوب كلّها لوجدنا أنّ الأيروس هو إله الحبّ والرّغبة الجنسيّة والخصب،ولم يك مبتذلاً،بل كان من المقدّسات.

مدخل وحيد للنّص:

      "يشكل العنوان عنصراً أساسيّاً في النّص لا سيما في النّص النّثريّ،فهو المفتاح الإجرائيّ الذي يمكن من خلاله الولوج إلى عالم النّص،وكشف أسراره "(4)،وله قيمة سيميولوجيّة في توصيف النّص واختزال المضمون." ويعرّف ليو .هـ .هوك  مؤسّس علم العنوان الحديث إنّ العنوان مجموعة من اللسّانيّة التي يمكن إن تُدرج على رأس نصّ،فتحدد وتدّل على محتواها العامّ،وتغري الجمهور المقصود بقراءته .

   ويجتهد الكاتب في اختيار عنوان يلائم المضمون لاعتبارات فنيّة وجماليّة ونفسّية لجعل القارئ يسير تبعاً لمقصديته.العنوان هو الباب أو المدخل الوحيد للنّصّ.

   ومن الملاحظ في كلّ أعمال الأديبة سناء الشعلان  اهتمامها البالغ بصياغة عناوين نصوصها السّردية بدقة،حيث توليها عناية كبيرة من خلال الإيحاء والتّلميح والمجاز الذي تقول عنه الرّوائية الأمريكية "آن لاموت " :"المجاز أداة لغويّة عظيمة؛لأنّه يشرح المجهول عبر قواعد المعلوم،لكنّها لا تعمل إلاّ إذا  كان لها صدى في قلب الكاتب .

    وينتج من العنوان منتج دلالي من خلال قدرته الإيحائيّة التي تسهم في استشراف للنّص،ومن هنا جاء عنوان قصة " الضّياع في عينني رجل الجبل ".

    والضّياع مفردة لها إيحاء سايكولوجيّ،ودلالات متعدّدة،فالضّياع يمثّل الضّلال والتيه والاغتراب،وهو يمثّل عجز الذّات المشتّتة والمحرومة،لكن هذا الضّياع في عيني رجل الجبل يوحي بأنّه حالة حبّ بين بطلة القصّة ورجل الجبل.وللعيون هي الأخرى دلالات نفسّية في الثّقافة العربيّة التي تعدّها امتزاج وإشباع عاطفيّ،وللعيون لغتها الخاصّة وإشاراتها التي يفهما العاشق ومن خلال هذا الضّياع إرادة العاشقة أن تصل إلى الثّبات والإيمان والحكمة التي يرمز لها الجبل،وكأنّها تريد القول إنّه من خلال الحبّ وحده يتخلّص الإنسان من متاهاته وحيرته.وهذه الحالة تنازعيّة في النّفس الإنسانيّة "الثورة" ضروريّة لاستمرار الحياة،وهي طبيعة الوجود بأسره .

    فحقّق المجاز فعله في هذا الصّراع النّفسيّ بين الضّياع والإيمان   تعبيراً عن فكرة جماليّة خيرة تتحقق بعاطفة وجدانيّة مشتركة عند البشر "الحبّ" ، بتعبير آخر إنّ الحبّ وحده من يخلّص الإنسان،وليس هناك قوة قادرة على خلاصنا من الضّياع تماثل قوة الحبّ للحياة والآخر والكون  .

   "يهبني دوراً جميلاً يكتب بأريجه حدثاً كونيّاً  فلكيّاً وجوديّاً،تصبح أصوات الغابة ونداءآت الطبيعة وغريزة الاشتهاء "(5)

   " رائحتكَ خليط من برد الجبل ورذاذ الأمطار وحريق الاشتهاء وطلع النّخيل والعجين الخامر "(6)

الصّور الحسيّة والأيروسيّة:

    تلعب الصّورة بأشكالها جميعاً عاملاً مهّماً في السّرد الحكائيّ،وأغلب القصص والرّوايات تبدأ برسم صورة تكشف عن بطل الحكاية أو المكان الذي يتواجد فيه،وتبرز تطلّعات وأهواء الشّخوص لتمكّن الكاتب من إعطاء رؤيته أقصى مديّاتها في التّأثير على القارئ الذي يعيد تخيل النّص بوصفه صورة مرئيّة،لاسيما أنّ الصّور هي نتاج عمل الحواس،وهي تمثّل بنية النّص الأساسيّة.

  "وإنّ الصّورة ليست بالضّرورة استبدال شيء بشيء آخر،أو تشبيه شيء بشيء آخر،وإنّما قد تستدعي أيّ كلمة حسيّة استجابة الأشياء "(7): "منذ وقعت عيناي عليك اشتهيتكَ"(8).

     والصّور تحمل دال ومدلول؛فالاشتهاء يدلّ على اشتداد الرّغبة والنّزوع نحو الآخر،وهذه إشارة  أيروسيّة نستطيع تلقيها " بما هو مدرك بالحواس بصريّة أو سمعيّة  أو لمسيّة أو شميّة أو وذوقيّة،ويحرّك خيال المتلقي باستدعاء معلومات ترجع الذّاكرة،فيشي تصوره الحسي للأشياء،وإنّ الأدوات البلاغيّة من استعارة أو تشبيه أو غيرها من آليّات الصّورة "(9)

   " لا  قيمة لكل رجولتك ولسيفك الرّجوليّ المثير إن لم أكن غمده الأبديّ، لا قيمة لكلماتكّ إن لم يحسن ثغرك الكرزيّ المشهي تقبيلي،لا قيمة لأنوثتي إن لم تسعدك وتفتنك وتمتصك حتى آخر قطرة من رجولتك التي أراهن عليها بكل عمري وجلال افتناني "(10)

    هذه ثورة جسد يريد التّحرر من قيوده وكبته،ويحقق اشتهاءاته من خلال صورة بلاغيّة تلتقطها مخيلة القاري كرموز وإشارات لتحوّلها إلى صور بواسطة الحواس المتعدّدة،لنشعر بنبضها وارتعاشاتها ونداءاتها.

   "ليلتها لبست ملابس بيضاء،ورششت عطراً أبيض،وحملت قلباً أبيض وانتظاراً أحمر لظى،وانتظرتك بكل أنوثتي ورغبتي وعشقي وخفقان قلبي ، وارتعاشات جسدي ونداءات روحي "(11)

" يا إلهي كم سأكون أثرى امرأة في التّاريخ البشريّ عندما تأخذني إلى صدركَ،عندما يتكسّر ثدياي على صدركَ،عندما يتآلف كلّ نافر وبارز من جسدينا،فيستقرّ كلّ منها في تجويف جسد الآخر"(12).

   استطاعت القاصة سناء الشّعلان تحويل اللّغة وشيفرتها إلى صور بصريّة وحسيّة تحوّلت بعملية تخيلة إلى لقطات مشحونة بصور أيروسيّة شبقيّة مستفزة بجمالياتها الطّيفيةّ عند القارئ: "  أقسم أنّكَ تعشقني كما أعشقكَ، أقسم أنّكَ في هذه اللّحظة عرّيتني كما عرّيتكَ،أقسم أنّكَ غارق في شهوتكَ كما أنا غارقة فيها منذ رأيتكَ"(13)

   " أنا أعرف رائحتكَ،جسدكَ،مذاق قبلتكَ،ملامح شهوتكَ،قسمات شبقكَ،وذقت ألف مرة ماء ذكورتكَ،أنا أعرفكَ،نعم أعرفكَ.فهل تتذكّرني؟ لقد تذكّرتني،بل لقد عرفتني،ولذلك تميل نحوي، تسمعني دون الآخرين،تبسم لي دون الحاضرين،تلكزني بيدكَ على سبيل الخطأ المزعوم،تشمّ رائحتي،تحتضن أناملي،وتطبع قبلة على طلاء أظافري،وتنام بين خواتم أصابعي،وتداعب بنظراتكَ كلّ ملمتر من جسدي،تحفظ حركاتي،تقبّل جلدي،تلعق خلخال قدمي،تبتلع فمي بقبلكَ الشّهوانيّة،تسمع صوت احتراقي بكَ،وتسعد بذلك،وأنا أغور في مقعدي عارية إلاّ من الشّهوة إليكَ"(14).

    إنّ من خلال تحليل الصّور السّرديّة ومجاز الخيال التي ابتدعها من خلال لغة صافيّة لنتاج عمل لحواس التي أضفت طابعها الحسيّ المرئيّ في إعادة تخيلها شكّلت بنية النّص الأساسيّة المشحونة برغبات صراع دفاعيّ عن الجسد بصفته حاضن لتلك الرّغبات والنّزوع نحو البوح السّرديّ لتحريرها بما هو أشبه بثورة جسد مستلب من سننه الطّبيعيّة التي وُجد عليها.

    "أنا امرأة المواسم،فذقني لتعرف كيف تجتمع في امرأة واحدة بربريّة الغابات وهمجيّة الكهوف وتوحّش الجنس وعذوبة الاشتهاء وأساطير الميلاد الجديد وحكايا البعث والقرابين.تعرّ لي،فلا امرأة غيري في الكون تنتظر توّحشكَ وعرّيكَ وجموحكَ مثلي،أنا خُلقت بعناية إلهيَة لأكون امرأتكَ التي تجمع لكَ النّساء جميعهن في لحظة مداهمة".(15).

إشراقات عشتار:

    منذ الاستهلال الأوّل تضعنا القاصّة سناء الشعلن أمام تناصّ عام مع أسطورة عشتار،بمعنى أنّ ما يرد هو فعل كتابة،لكنّها تخدعنا من خلال توالي الأحداث المكتوبة بطريقة صوريّة عالية الدقة،إنّنا أمام أحداث واقعيّة،وهذا ما قام به المخيال العالي والتّكنيك للقاصة،ولعب دوراً غير مرئي،وكأنّها انّسحبت خلف النّص لتدع القارئ يعيد تخيّله بطيفه الخاصّ : " تحرضني الكتابة على على كتابة الرّجال والأحداث"(16).

    إنّ  أسطورة  الآلهة عشتار آلهة الحبّ والجمال والجنس يحق لها أن تُعبد وتعشق وتمارس الجنس،لكن البشر ليس ذلك من حقهم،القاصّة سناء الشعلان ضمّنت هذا التّناص العام بالمعنى والإدغام خدمة للخيال،فالأسطورة تعيد إملاءاتها على الحكاية،وهذا مالا ترغب فيه القاصّة للحدّ من خيالها الجامح في رسم صورها السّردية الخاصّة بها منسوخة من روح عشتار.

وكما تصف نفسها عشتار :" أنا الأول، وإنّا الآخر - أنا البغي،وانا القديسة- أنا الزوجة، وأنا العذراء-  أنا الأم، وأنا الابنة - أنا العاقر، وكُثُرٌ هم أبنائي – أنا في عرس كبير،ولم أتخذ بعلاً - أنا القابلةُ،ولم أُنجب أحدًا - وأنا سلوى أتعاب حَملي",

    تقول بطلة القصّة التي يكمن فيها سرّ الحياة والنّماء وسمو الرّوح ورهافة الأحاسيس والطّبع والعابقة أعطافها بالعطر،ويفيض جسدها بالاحتراق الأنثويّ،ويفوح منها شذى الاشتهاء،وهذه صفات الآلهة عشتار. وهذا تبادل لأشكال وعي الآخر من خلال فضاء المعنى واضح من العلاقة للفضاء النّصي وتقاطعاته مع نصّ الآلهة عشتار المرافق للشّعراء والأدباء منذ أن عرفنا الأساطير الأولى،ونحن نقرأ النّصوص وما حولها من خلال التّأثير والتّأثر دون أن نفقد الدّهشة والمتعة واللّذة:" أنا امرأة بامتياز،وفنانة بمهارة،وخادمة بالفطرة،وجارية بالسّليقة،وقدّيسة بالعفاف،وماجنة بالكلمة،وطاهرة بالجسد،وساديّة بالموهبة،ومؤمنة بالقلب،وكافرة بالشّك،وثائرة بالسّلوك،وداجنة بالعطف،أنا النساء كلّهنّ دفعة واحدة،قبّلني،لتقبّل نساء العالمين" (16).

   "إنّ الصّورة التي ندركها عن طريق الحواس صورة إبهاريّو من خلال عواطف وأحاسيس،فالحواس هي الوسائل التي تغذّي ملكة التصوير والخيال، وتنتقل إليها مجتمعة أو منفردة.الصّورة بشتى مصادرها وطبائعها "

   ومثلما ندبت عشتار آلهة الشّهوة والحبّ مصير عشاقها ونهاياتهم تقول بعد أن كشفت عشقهم دون انتهاك لأنّها تحب بصدق،وتستجيب لرغباتها المقدّسة تختم بطلة القصّة لكن لا أحد يذهب إلى الجحيم السفلي كما حدث مع دموزي حبيب عشتار، تبقى ضائعة في رحلتها مع سيّد الجبل لتعيدنا إلى ميتافيزقيا الضّياع من جديد :

"  أهواكَ...أهواكَ بلا أمل

وعيونكَ تبسم لي

وورودكَ تغريني بشهيَات القُبل

أهواكَ ولي قلب بغرامكَ يلتهب

تدنيه فيقترب

تقصيه فيغترب

في الظّلمة يكتئب

 ويهدهده التّعب

فيذوب وينسكب كالدّمع من المقل

أهواكَ،أهواكَ بلا أمل

في السّهرة أنتظر،ويطول بي السّهر

فيساءلني القمر،يا حلوة ما الخبر؟(17)

-       يا إلهي كم إنّا ضائعة الآن ياسيّد الجبل "(18)

الخلاصة:

     بين ثنايا هذه القصّة القصيرة أكثر ممّا استعرضناه بأضعاف من أمثلة،فهي قصة تبدأ وتنتهي باحتراقات الحبّ المترع بالرّغبات والصّور الحسيّة والأيروسيّة التي شكلت بناءها لتصنع معماراً سرديّاً متفرّداً لقصة حبّ وجنس بعيداً عن الابتذال،وهي إضافة تستحقّ الوقوف عندها طويلاً  للاستمتاع بلذة النّصّ وجمالياته. كما نجحت الدّكتورة سناء الشّعلان واستطاعت أن تُظهر أنوثة المرأة من خلال استاطيقيا الصّورة الإبهاريّة ودلالاتها ورسائل الشّهوة ،

    هي رسائل لكسر المسكوت عنه في أدبنا وحياتنا العربيّة وتعرية الكبت والإجحاف الذي بات من سمة المرأة العربيّة.ثورة وحجر في بركة ركود المجتمع العربي لتحريك مياهه الآيلة للعفن،صرخة احتجاج ضد الانتقائيّة والكراهيّة والعنصريّة الجنسيّة على أفراد المجتمع الواحد بحجج واهية لا أساس لها من المصداقيّة والعلميّة.

   إنّ للمرأة نزوعها ورغباتها مثل الرجل تماماً في الحبّ والاشتهاء والإثارة وبلوغ النّشوة،وإحداهما مكمّل للآخر في ديمومة الحياة التي لولاها لانقرض الوجود الإنسانيّ على كوكبنا تماماً.كيف لنا أن نعرف المسكوت عنه وأمراضنا  دون  تشخيص. نحن عازفون عن فتح طرائق وتحليل رموزه لكشف وبواطن الجمال والخير فيه بدلاً من تغليفه بقبح الكبت والمنع والاضطهاد من دون معرفته ودراسته وفكّ شيفراته جميعها،ومعرفة تأثيرها على النّفس  البشريّة والمجتمعات وتبايناتها التي أتت من تعطيل دور المرأة أو جعلتها حاجة أو سلعة خاضعة للعرض والطلب بالقمع أو بالانفلات . وفي عالمنا العربيّ المتفاوت بكلّ شيء يبقى "الأدب التي تنتجه المرأة المشهد العربيّ يشبه حالها وفكرها وتكوينها وظروفها" كما تقول سناء الشّعلان .

الإحالات:

1-   القصّة الفائزة بالجائزة الأولى في مسابقة كتاب بلا حدود 2011 ومنشورة في مجموعة مشتركة تحمل العنوان ذاته" الضّياع في عيني رجل الجبل"،وصادرة عن منظمّة كتّاب بلا حدود/الشّرق الأوسط الثّقافيّة بالتّعاون مع مجلس الأعمال الوطنيّ العراقيّ للعام 2012.

2-    رولان بارت: نظرية النّص مقال محمد خير البقاعي في مجلة العرب والفكر العالمي 1988 بيروت.

3-    مقابلة مع الكاتبة سناء الشّعلان:في جريدة الشّاهد العدد18 بتاريخ 31/7/2001 .    

4-    سيرة جبرا الذّاتيّة في البئر الأولى وشارع الأميرات :خليل  شكري هياس،منشورات اتحاد الكتاب العرب،دمشق 20.

5-    الضّياع في عيني رجل الجبل:سناء الشّعلان،ص3.

6-   نفسه:ص14.

7-   البلاغة مدخل لدراسة الصّورة البيانيّة: فرونسوا مورو،ترجمة محمد والي وعائشة جرير،ط2 دار أفريقيا الشّرق،الدّار البيضاء 2003.

8-   الضّياع في عيني رجل الجبل:سناء الشّعلان،ص5.

9-   بيان الصّورة الفنيّة البيان العربيّ:كامل حسن،مطبوعات المجمع العلمي العراقي،1987م نسخة رقميّة.

10-          الضّياع في عيني رجل الجبل:سناء الشّعلان،ص5.

11-          نفسه:ص4.

12-          نفسه:ص7.

13-          نفسه:ص8.

14-          نفسه:ص10.

15-          نفسه:ص12.

16-          نفسه:ص15.

17-          نفسه:ص15.

18-          نفسه:ص3.

19-          نفسه:ص9.

20-          نفسه:ص9.

"تقاسيم الفلسطينيّ" للدّكتورة سناء الشّعلان :سادنة الحلم الفلسطينيّ وكاتبة تاريخه

 

عباس داخل حسن ( الأربعاء ) 29/7/2015 م ...

   صدر عن دار أمواج الأردنيّة للنّشر والتوزيع  "تقاسيم الفلسطينيّ" مجموعة قصص قصيرة جداً للدكتورة سناء الشّعلان,تقع في 182 صفحة,وتتكون من 174 قصة موزّعة على ثمانية تقاسيم:تقاسم الوطن,تقاسيم المعتقل,تقاسم المخيّم,تقاسيم الشّتات,تقاسيم العرب, تقاسيم العدو,وتقاسيم البعث.

   ولكلّ من يعرف "الدّكتورة سناء الشّعلان" يعرف روحها الإبداعيّة المتمرّدة والمبتكرة فهي" تبغض النّص اليسير،وتكره الطّرق المطروقة التي يسلكها كلّ إنسان،ولا تشرب من الحوض المباح,وتعاف ما تبذله الدّهماء"،هذا قول الشّاعر اليونانيّ "كلّيماك" ينطبق على منجزها الإبداعيّ المتعدّد الصّنوف والضّروب بتمكن ووعي لما تقوم به دون ادّعاء بكلّ تواضع،حسبها البذل والتّفاني من أجل إشاعة العدل والجمال.

   ولم تخلق شهرتها من فراغ,حصادها للجوائز إلاّ من خلال إبداعها ومعرفتها العلميّة الأكاديميّة العالية،فهي حاصلة على درجة الدّكتوراة في الأدب الحديث،وحصدت أعمالها نحو 50 جائزة دوليّة وعربيّة،لها أكثر من 50 عمل إبداعيّ صدر لها لحد الآن.علاوة على ذلك نشاطها الإعلاميّ ومناصرتها لحقوق المرأة والطّفل في المحافل المحليّة والدّوليّة بقوة ودأب .

     لها مفاجآتها المتميّزة في السّرد والقصّة القصيرة التي تكتبها بلغة صافية طيفيّة،وبأفكار غير مسبوقة كما روايتها الأخيرة "أعشقني" التي أُعيد طبعها للمرة الثّالثة خلال فترة وجيزة،إذ جاءت نصوصها مكتنزة ومتفرّدة على مستوى الشكلّ والمضمون .

    ولأنّها صيّاد ماهر للجوائز التي تستحقها بجدارة ولأنّها صاحبة حضور طاغي, لا تناكف في معارك خارجة عن الهمّ الإنسانيّ والإبداعيّ،كثر من يغبطوها،وفي الوقت ذاته  كثر من يحسدونها,وهذه ضريبة النّجاح،تاركة لهم الظّلّ والفشل دون أن تتخلّى عن مبادئها وأمنياتها

    فهي من تقول في حوار أجراه معها الصّحفيّ المصريّ المعروف:" أمنيتي لكلّ إنسان في كلّ مكان أن يأتي يوم تغيب شمسه على بشريّة ليس فيها عين دامعة أو قلوب كسيرة أو حق مهدور".

    وهذا ما نلمسه في أعمالها جميعاً التي تسلّط الضّوء فيها على محنة الإنسان ومتاهاته وأحلامه وانكساراته,دون أن تنسى قضيتها الأم وجذورها الفلسطينيّة  وحلمها الفلسطينيّ التي تتشبث به ولا ترضى بديلا غير العودة, فجاءت هذه المجموعة محمّلة مثل روح كاتبتها بدموع الجدات والأجداد ومحنة الأحفاد والشّهداء والشّتات في طول وعرض المعمورة دون وجه حق بما جرى ويجري ليومنا هذا من قتل ووحشية وتهجير واعتقال لشعب بأسره أطلقت على من يقوم بهذا الفعل الشّنيع الصّهاينة وأعوانهم:" مستدمرون لا مستعمرون لأنّهم لا يعمرون بل يهدمون " هامش قصة المؤذن،ص17/تقاسيم الفلسطينيّ.

   وهذا ابتكار اصطلاحيّ صحيح علينا استخدامه من الآن فصاعداً؛لأنّه ينطبق على أفعال ما يُسمى دولة إسرائيل التي لم توفر باطل وظلم واضطهاد إلاّ واستخدمته ضدّ شعب أعزل وبمساعدة قوى متغطرسة وسط تصفيق هذا العالم المختلّ الغاشم غير المتوازن "كلّه العالم صفق طوعاً أو كرهاً " قصة الأشجار ص11/تقاسيم الفلسطينيّ.

        رغم جرائمه كلّها التي يعترف بها أو يرتكبها وتُسجل ضدّ مجهول كما هو ديدنه في قتل الأطفال والكبار واقتلاع الشّجر والحجر بوحشية مفرطة لم يشهدها التّاريخ من قبل

   "قذيفة صهيونية انهالت على سوق الملابس على حين غرة فأحالته إلى جحيم مستعر....شرعت تلمّ اللّحم المتناثر,وتحوشه في صدرها بعد أن عجزت لأوّل مرة في حياتها – عن التّميز بين بناتها التّوائم الأربع" قصة التّوائم الأربع ص 14-15/تقاسيم الفلسطينيّ.

   هذه المشاهد  والصّور عرضت على شاشات فضائيّات العالم الآلاف المرات، استطاعت أن تحفرها سناء الشّعلان بسرد حكائيّ له تأثير مختلف حفظه الفلسطينيّ شفاهيّة من الأجداد إلى الأحفاد،فدونته قصص هذه النّصوص القصيرة جداً بحجمها كبيرة برسائلها السّياسيّة والتّاريخيّة والمستقبليّة.ورغم أن قصص مجموعة " تقاسيم الفلسطينيّ" تبدو أقرب إلى أنّها قصص تسجيليّة تقوم على رؤيّة سياسيّة – اجتماعيّة.وكما معروف أن القصّ التّسجيليّ هو نتاج مبدأ الاختيار والانتخاب بما يتوائم وأفكار الكاتب الذي يرصد، ويتتبّع المضمون على حساب الشكلّ إلاّ أن حذاقة ومعرفة القاصة بأدواتها استطاعت أن توظّف الإيحاء والتّركيز والرّمز خدمة لديناميّة القصّة،فبدأت بشكلّ مختلف,وارتقت بالقصة التّسجيليّة إلى منطقة أخرى" قصص قصيرة جداً مدهشة " غير ما هو متعارف عليه خاضعة أدواتها المرنة جميعها لوظيفة أكثر إمتاعاً وإبهاراً في المحكي,استطاعت أن تخاطب وجدان القاريء من خلال لغة شاعريّة ممشوقة رغم المأساة والفجائع التي تُعدّ السّمة الأساسيّة لهذه القصص المستلّة من الواقع مئة في المئة.

    هذا نجاح وتفرّد قدمته الدّكتورة سناء الشّعلان في التّجريب على الرّغم من أنّها نقلت من واقع معاش ولازال قائم ليومنا هذا.عملت بنقله كما هو بعين وأداة مختلفة ليس بآلة كاميرا،فكانت صور حيّة ورؤيّة فكريّة وسيلتها سحر اللّغة والمحكي مرتبطاً بالتّجريب الخاضع لقواعد فنيّة وجماليّة عالية الدّقة ومعرفة دقيقة باستخدام الضّوء والظّل في الصّورة السّرديّة أو المشهديّة إن جاز هذا التّعبير،وكذلك من خلال الحوارات المقتضبة والقليلة لما يتطلّبه هذا الجنس الأدبي " القصة القصيرة جداً " من اقتصاد واختزال شديد: "تحدق في وجوههم،لا تستطيع أن تجد حدثا فلسطينيّاً مرتبطاً بهذه الولادة,تصمت قليلا,ثم تبتسم لهم بأسى وانكسار،وتقول:أنا أحفظ متى استشهدوا أولادي،وأنتم عليكم أن تحفظوا متى وُلد أبناؤكم" قصة تواريخ ص21/تقاسيم الفلسطينيّ

  إنّ معجزة النّضال الفلسطينيّ  هي الذاكرة الحيّة التي يُستلهم منها صمودها عبر الأجيال؛ لأنّ الفلسطينيين أصحاب حق ووجود لا يسقط مهما تقادم الزّمن واختلطت الأوراق وتتالت الخطوب والمحن والعلل."ستون سنة لم تستطع أن تزحزه قيد أنملة عن إيمانه العميق بحقه,لم تمض ليلة لم يناضل فيها متمسّكاً بأرضه،لم يفتّ في عضد عزيمته تآمر العالم كلّه مع عدوه الصّهيونيّ" قصة زهايمر ص38 /تقاسيم الفلسطينيّ.

   إنّ ما يجري على أرض فلسطين هو أفعال مشينة وجرائم بمنتهى الغرائبيّة لا تعرفها قوانين الطّبيعة والمنطق.وقد نجحت الشّعلان في تدوينها برؤية واقعيّة تحدث كلّ يوم في سجون النّازيين الجدد أو "المستدمرين "،فهي قصص أقلّ ما يقال عنها أنّها أغرب من الخيال ونحن نعيش في الألفيّة الثّالثة بعد الميلاد:" لا يعرف بأيّ جناية هو مسجون في هذا المعتقل حيث الرّطوبة والازدحام ،والجوع والوجوه حوله كئيبة, لكنها تصمّم على الحياة ... منذ وُلد وجد الضّيق والضّنك أمامه,لم يخرج بسهولة من بطن أمّه؛لأنّها لا تزم فخذيها بسبب سلاسل تكبل قدميها " قصة الأسير الرّضيع ص79/تقاسيم الفلسطينيّ.

   هكذا يولد الفلسطينيّ،ويبقى على الوجود وسط عالم مخادع ازدواجي دون أن يستسلم له.منحت قصص المجموعة أقنيم آخر للحكايا من خلال التّضاد بين الضّحيّة والجلاد , الحقّ والباطل حتى في محاولة الجلاد انتهاك آدميّة الإنسان بتعريته،فيصبح هو العاري أخلاقيّاً وإنسانيّاً وشرعياً،وهذا حدث آلاف المرات على مرأى ومسمع العالم الذي يدّعي التّحضر والمدنيّة وتبنّي الدّفاع عن حقوق الإنسان .

"وقفت أمامهم عارية من الملابس مكتسية بكبريائها,وما أبهت لعيونهم الخنزيريّة التي تأكلّ جسدها إمعاناً في تعذيبها,فهي لا تخجل من عريها أمام خنازير بشريّة ترعى في أرض غير أرضها " قصة عري ص85/تقاسيم الفلسطينيّ.

 إنّ قصص هذه المجموعة أسّست من خلال خطابها السّرديّ رؤية مضادّة في استنطاقها لمكان التّواجد الفلسطينيّ في الشّتات والمنافي والوطن بكلّ ما يحمله من تناقضات الإنسان الفلسطينيّ من خلال نماذج إنسانيّة تعيش في التّمني والحزن والصّمود والتّذكر من خلال لغة إيحائيّة عميقة الفهم للحدث القصصيّ المحكم للتّعبير عن هواجس الإنسان الفلسطينيّ الذي يعاني من شهيق الجوع والتّهميش والعذاب اليوميّ والعنصريّة بكلّ أجياله وشرائحه . لقد نجحت الشّعلان في اختيار زوايا المكان والشخوص والزّمن بشكلّ مغاير،فجاءت بقوالب وحلل جديدة:"أدار ظهره لهم،وما عاد يأبه بوجودهم أويردّ على سبابهم,أو يخجل من لكنته الفلسطينيّة،وكتب على سبورة الحائط حنظلة غاضب الآن " تقاسيم المخيّم قصة حنظلة ص92/تقاسيم الفلسطينيّ.

    الفلسطينيّ على الرّغم من تعامل العالم معه الشّاذ إلاّ أنّه يبقى مكافحاً وصامداً بوصلته الوحيد في هذا الكون هي فلسطين كما توضح قصة "عقوبة ص100" غير مكترثاً بصراعات الآخرين العبثيّة على الرّغم من أنّه  يكون أحد ضحاياها في أحايين كثيرة، وهذا نراه جليّاً في قصة " نهر البارد ص103" .وتاجر آخرون بالقضية الفلسطينيّة من حكام ودهاقنة العرب وجامعتهم العربية المزعومة:"رصدوا ميزانيّة عملاقة من التّبرعات العربية كي يرفّهوا عن أنفسهم بالنّساء والخمور والملذات كي تتفق ذواتهم المظلمة عن فكرة منيرة لدعم الفلسطينيين,وطال اجتماعهم وطال انتظار الفلسطينيين " قصة دعم ص127/تقاسيم الفلسطينيّ.

    ولم يك الفلسطينيّ مغيب وعي أو مسطح عقل لما يدور من حوله حتى العجائز الأميّات الأبجديّة ينعمن بإدراك فطري ووعي خارق،وهذه تقسيمة من تقاسيم الفلسطينيّ الحية :" العربي شريف لا يُضام , ولا يهان كتبت معلمة محو الأميّة على السّبورة , استدارت لتقابل وجوه نساء المخيّم اللواتي أتين لمحو أميتهن،سرت همهمة في الصّف، سألت المعلّمة صغيرة السّن على استحياء وبحرج بادٍ: هل قلتُ شيئاً يدعو للضّحك؟!

أجابت أم محمود زعيمة نساء الصّف:هذا كان زمان,والله جبر،انظري إلى حالنا الآن : أين العرب مما يحدث؟

أضافت امرأة أخرى باستهزاء:"العرب الشّرفاء موجودون فقط على السّبورة " قصة شرف ص130/تقاسيم الفلسطينيّ.

     هذه سخرية سوداء من واقع أشّد سواد وحلكة وظّفتها القاصّة بأكثر من قصّة على امتداد هذه المجموعة توظيفاً موفّقاً،ورسمت شخوص كاريكاترية كما هم في جوهر حقيقتهم يثيرون السّخرية والمرارة من خلال واقع هزيل ومرير،ولم تغفل عين القاريء  قصديتها،فهم يعيشون بيننا ومنا وفينا من نفس الأرومة،وبعضهم من أبناء جلدتنا وعمومتنا

   "مطّ الثّري العربيّ كرشه الذي يتدلّى ليهرس عضوه التّناسليّ القزم الذي أغدق عليه دون انقطاع بالجواري والحسان اللواتي ما استطعن لكسره جبراً،ولا لعطبه دواء.

 يحبّ أن يظهر مبتسماً في الصّحف،وهو يفيض بماله صداقات وعطايا على الغرباء المنكوبين والحيوانات الآيلة للانقراض والمباني الأثريّة في مجاهل بلاد العالم والنّساء الجميلات التي يستدرجهنّ إلى قصر حريمه.

    يحبّ لقب المحسن العربيّ،ويكثر من التّزيّن بالدّمقس والحرير والمعصفر والمفضّض والمذهب والمألمس من فاخر الثّياب ونادر الأحذية ونفيس الجلود والفراء

     زعم في لقاء صحفيّ أنّ معاناة الشّعب الفلسطينيّ قد أحرقتْ قلبه الملبّد بالدّهون،وحرص على أن تبرز الوسائل الإعلاميّة دموعه الثّرة التي أهداها بسخاء للشّعب الفلسطينيّ،وفرض على نفسه عمرة للدّعاء لهم،وعند الكعبة سأل الله إلحافاً أن يعينهم،وأن يهبهم من يكون في عونهم،ومطّ شفتيه طويلاً بالدّعاء لهم إلى حين تلتقط عدسات كاميرات التّصوير صورة مناسبة له تسجّل دعمه المؤزّر للقضيّة الفلسطينيّة!" قصة عروبة ص131/تقاسيم الفلسطينيّ.

" يدرك من أعماقه كم هو مجرد من الأخلاق والقيم والنّبل" قصة السوط ص139/تقاسيم الفلسطينيّ.

    هذه المجموعة لاشيء يغني عن قراءتها عبر174 قصة موزّعة على مدونات فصولها السّبع لتكتمل صورة لمأساة قضية بدأت منذ عقود،ولم تنته فصولها بعد على الرّغم من كلّ تآمر الكون عليها،إلاّ أنّها بقيت متّقدة مثل تقاسيم الفلسطينيّ صاحب الأرض وحارس المقدّسات بشرف وأمانة,مهما اشتدّ نباح الآخرين وهبّت رياح التّهجير والاعتقال والقتل . يٌبعث الفلسطينيّ مثل العنقاء من رماد الفجائع والانكسارات والخسارات الكبيرة:" استطاعوا أن يقتلوا عدداً عملاقاً من الفلسطينيين،مثّلوا بأجسادهم،أحرقوا جماجمهم،طحنوا عظامهم،نثروا رمادهم في مهبّ الرّيح كي يرتاحوا من ذلك الشّبح الذي اسمه عودة الشّعب الفلسطينيّ إلى وطنه" قصّة الرّيح والكلاب،ص155/تقاسيم الفلسطينيّ.

    هذا الإصرار على تجدّد الحياة هو ما تفعله قصص الدّكتورة سناء الشّعلان من أجل الانعتاق من إسار الوعي الزّائف والرّاكد من حولها بأسلوب جماليّ متّقد يحرّك ديناميات الإبداع وإعادة الحياة إلى بهجتها على الرّغم من كلّ ما يجري من تناقضات وكيد من القريب والبعيد.

   إذا كانت الكتب المقدسة تبرز قصص الأنبياء حيث يقول الله عزّ وجلّ في محكم تنزيله ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ﴾ [ يوسف:الآية 3]،كانت تقاسيم الفلسطينيّ هي أحسن القصص الإنسانيّة التي لابد من التّذكير بها،وهذا ما فعلته الدّكتورة سناء الشّعلان , وبصدق إنّها قصص تسجيلية متفرّدة ومغايرة تؤثّر في الضّمير الإنسانيّة،وتهزّ وعيه،أو بعبارة أخرى قالها يوسف إدريس إنّ كلّ قصة قصيرة قراءتها وهزتني تماماً كانت دائماً لحظة تركيب كونيّ متعدّد المكونات,يؤدّي إلى خلق مادة جديدة تماماً عن كلّ المواد العضوية وغير العضوية .. مادة جديدة اسمها الحياة"

     وبأمانة القاريء المحايد هذا مفعول وتركيب قصص تقاسيم الفلسطينيّ للمبدعة الدّكتورة سناء الشّعلان عليّ،ولسان حالها يردد ما قاله الشّاعر التّركي "ناظم حكمت " :

 "لو وضعوا الشّاعر في الجنة،لصرخ آآآه يا وطني".

 

ولادة مجلّة "وجهات" الفصلية العلميّة المحكّمة في ليبيا ... مديرة تحريرها الأديبة الأردنية سناء الشعلان

 

 

الأردن العربي ( السبت ) 14/3/2015 م ...

باستقبال أكاديمي أُعلن رسميّاً في ليبيا عن ولادة المجلّة العلميّة المحّكمة "وجهات"،وهي مجلّة أدبيّة نقديّة بلاغيّة تُعنى بالأدب ونقده وبالبلاغة،وتصدر عن مؤسّسة مليطان للبحوث والدّراسات والإنماء الثّقافي في ليبيا،وهي مجلّة فصليّة تصدر كلّ ثلاثة أشهر،وسيصدر العدد الأوّل منها مع نهاية شهر مارس للعام 2015،ويشرف على المجلّة إشرافاً عامّاً الأستاذ الدكتور عبد الله مليطان،ويرأس تحريرها الأستاذ الدّكتور أحمد رشراش،وتدير تحريرها الأديبة الدكتورة سناء الشّعلان.

وقد أعلنت إدارة المجلّة أنّها تستقبل البحوث في حقول البحوث والدراسات العلمية في مجال الأدب العربي ونقده والدراسات العلمية في مجال :الآداب الغربية ونقدها،والأدب المقارن،والبحوث المترجمة إلى العربية على أن يرفق النص الأجنبي بنص الترجمة.كما أنّ المجلّة تستقبل طلبات نشر الأبحاث والدّراسات المنجزة وفق معايير الكتابة والنّشر وفق الأصول العلمية مع مراعاة الشّروط التّالية :

1- أن يكون البحث مكتوباً باللغة العربية.

2- ألاّ يكون قد نشر أو قدم للنشر في أي مكان آخر.

3- أن ترفق بالبحث سيرة علمية تتضمن – على الأقل- الاسم الثلاثي للباحث ومرتبته العلمية وجامعته وكليته وقسمه وأهم مؤلفاته وعنوانه البريدي لاستقبال مراسلاتنا البريدية.

4- يرفق البحث بملخص للبحث لا يزيد على (300) كلمة.

5- بعد نشر البحث يجوز للمجلة نشره في موقعها الالكتروني أو في كتب ذات تأليف مشترك.

6- لا يجوز لصاحب البحث إعادة نشر ما نشر في المجلة أو ملخص عنه في أي كتاب أو صحيفة أو دورية إلا بعد مرور ستة أشهر على تاريخ نشره في المجلة ، أو بعد حصوله على موافقة خطية أو بريدية من رئيس التحرير.

7- أن يكون البحث سليما في لغته ودقيقا في توثيقه.

8-ألا يكون جزءاً من رسالة جامعية أو من بحث سابق منشور.

9- أن يلتزم الباحث بإجراء التعديلات التي يطلبها المحكمون إذا كان قرار هيئة التحرير بإجازة نشر البحث مشروطاً بذلك.

كما أضافت المجلّة أنّه يشترط لطلاب الدراسات العليا (ماجستير / دكتوراه) إلى جانب الشروط السابقة: 1- إقرار الباحث بأن البحث المرسل يتصل برسالته وليس جزءاً منها. 2- موافقة الأستاذ المشرف على البحث وفق النموذج المعتمد في المجلة. 3- إرفاق ملخص حول رسالة الطالب باللغة العربية لا يتجاوز (500) كلمة.4- ألا تزيد صفحات البحث على (30) صفحة ، بمعدل (300) ثلاثمائة كلمة للصفحة الواحدة تقريباً. 5-أن تكون هوامش البحث متسلسلة إلكترونيّاً في آخر البحث وليس في كلّ صفحة مستقلة.

يُذكر أنّ البحوث تُرسل باسم رئيس تحرير المجلّة بواسطة البريد الالكتروني الآتي((عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.،ولا يتمّ استلام أي نسخ ورقية للبحث .علماً بأنّ كلّ بحث يتمّ تحويله إلى لجنة التّحكيم (عضوين فقط) بعد ملاءمته لقواعد النشر،و يصبح مقبولاً للنشر إذا نال موافقة عضوين من لجنة التحكيم، وفي حالة رفض أحدهما يعرض مرة أخيرة على محكم ثالث ، ومن ثم يتحدد مآله حسب نتيجة التّحكيم التي تعدّ في هذه اللحظة نهائيّة. وبعد إتمام المحكَّمين مهمّتهم تقوم المجلة بإعلام الباحث بنتائج التحكيم، سواء بقبول البحث للنشر أم قبوله المشروط بضرورة إدخال تعديلات، أو رفض البحث والاعتذار عن نشره بعد الأخذ بآراء المحكَّمين. في حالة القبول بعد التّعديل ، فإن صاحب المقال عليه أن يجري التصحيحات المطلوبة منه خلال مدة زمنية لا تتعدى أسبوعين من تاريخ إرسال الملاحظات إليه.ويتولى تحكيم البحث محكمان أو أكثر حسب ما تراه هيئة التحرير، ويلتزم الباحث بدفع النفقات المالية المترتبة على إجراء التحكيم في حال سحبه بحثه أو الرغبة في عدم متابعة إجراءات التحكيم وفق ما يقدره رئيس التحرير. ويكون قرار هيئة التحرير بإجازة نشر البحث أو الاعتذار عن عدم نشره نهائياً، وتحتفظ هيئة التحرير بحق عدم إبداء الأسباب ويزود الباحث -في حال الاعتذار- بالملاحظات والمقترحات التي يمكن أن يفيد منها في إعادة النظر ببحثه. ترسل إلى الباحث نسخة من بحثه في شكله النهائي بعد إخراجه فنيا تمهيداًلنشره، ويقوم الباحث بقراءة هذه النسخة وتدقيقها ثم إرسالها بالسرعة الممكنة إلى المجلة دون إضافة مواد جديدة إليها. كل مقال مقرصن أو سبق تقديمه إلى جهة أخرى للنّشر، فإنّ صاحبه يدرج في القائمة السوداء الممنوعة من النشر بالمجلة.كما يُلزم بدفع النفقات المالية المترتبة على إجراءات التقويم والنشر. علماً بأنّ الباحث يتحمّل النّفقات المالية في حالة طلبه سحب البحث ورغبته في عدم متابعة إجراءات نشره المتعلقة بإجراءات التقويم. يحصل الباحث على نسخة واحدة من العدد الذي ينشر فيه بحثه، وعلى عشر مستلات منه. ترتيب البحوث في المجلة يخضع لاعتبارات فنية. الآراء والمعلومات الواردة في البحوث المنشورة في المجلة لا تعبر – بالضرورة – عن وجهة نظر مجلة وجهات أو مؤسسة مليطان للبحوث والدراسات والإنماء الثقافي التابعة لها.

** يمكن متابعة صفحة المجلّة على مواقع التّواصل الاجتماعي على الرّابط التّالي:

https://www.facebook.com/pages/%D9%85%D8%AC%D9%84%D8%A9-%D9%88%D8%AC%D9%87%D8%A7%D8%AA/674153812692309?fref=ts

ناقد أردني : السينما بدأت تفرض ظلالها التعبيري على الرواية

 

 

الأردن العربي ( الخميس ) 5/3/2015 م ...

قال الناقد والاكاديمي الدكتور ابراهيم خليل استاذ النقد الحديث في الجامعة الاردنية ان كتابه الجديد "أساسيات الرواية" الصادر عن دار فضاءات بدعم من وزارة الثقافة الكتاب والصادر اليوم الاربعاء يشتمل بضع مقالات، وبضعة بحوث، كتبتْ على أساس أن تؤلف بمجموعها كتابًا يسلط الضوء على أساسيات الرواية اعتمادًا على التحليل التطبيقيّ، والنقد الوظيفيّ، لا على البحث النَظريّ.

وبين في حديث لوكالة الانباء الاردنية (بترا) ان بين الروايات التي اتخذها عينة للتطبيق رواية" أبناء الريح" للروائية الاردنية ليلى الأطرش، و"غريب النهر" للروائي الاردني جمال ناجي، ورواية"كينيارد باسكال " كلّ أصباح العالم "، ورواية جان أشينوز " شقراوات " و" ميوفيولا " لتيسير خلف، ورواية سبع سنوات لبيتر شتام، ورواية (قشتمر) لنجيب محفوظ، وساق البامبو لسعود السنعوسي، ورواية " أصل وفصل " لسحر خليفة، وسجاد عجمي لشهلا العُجيْلي، ومطارح لسحر ملص، والحديقة السرّية لمحمد القيسي، وغيرها.

وقال الناقد خليل ان الكتاب اكتنه ملامح في الحبكة الروائية تنم على الجودة، والإتقان، فيما ظهرت ملامح تدعو للتنبيه على أخطاء يقع فيها الروائي في أثناء حبكه أحداث روايته.

وحول نظرته للرواية التاريخية قال أنّ ثمة خلطًا بينها وبين الرواية غير التاريخية،ويلفت الناقد خليل اقتراب الرواية الحديثة بصفة خاصة من الفيلم(الفنّ السابع) وذلك نتيجة طبيعية لتعاون السينمائي والروائي، وقال لقد وقفتْ هذا الملحظ في روايتي تيسير خلف "ميوفيولا"، ورواية شقراوات لجان أشينوز الفرنسي.

وقال ان تحليلي للروايتين يكتشف بيسر أن السينما بدأت منذ زمن تفرض ظلالا تعبيرية على السرد الروائي، فيبدو الكاتب كما لو أنه يكتب السيناريو بقناع روائي. وواضح الناقد خليل لما كان الفن الروائي يمثل نوعًا أدبيًا فرعيًا من الجنْس الذي هو النثر، فقد لوحظ أن الرواية لا تمثل في الواقع نوعا نقيًا من السَرْد النثري. بل هي تشبه ساحة معركة يغير عليها فرسان من أنماط متعددة، فهي تلتقي بالسيرة آنًا، وآنا بأدب الرحلات، وآنا بالتاريخ، وآنا آخر بالشعر، والقصة القصيرة. واكد فكرة تراسل الأجناس في الرواية، من خلال وقفته غير القصيرة إزاء نماذج عليا في هذا المقام، منها " شارون وحماتي " لسعاد العامري و" الضوء الأزرق " لحسين البرغوثي، و" الحديقة السرية " لمحمد القيسي.

وقال خليل إذا كانت الرواية تقوم على أركان مثل الزمن، والشخصيات، والمكان إلخ.. فقد كان لزامًا على كتابه الذي يحمل عنوان " أساسيات الرواية " إلقاءُ الضوء على الكيفية التي تُصوَّرُ بها، وترسمُ، ملامح الشخصية الروائية، مؤكدا انه وجد في رواية بيتر شتام - وهو سويسري يكتب بالألمانية – الموسومة بعنوان سبع سنوات - نموذجًا روائيًا يحتفي فيه المؤلف بشخصياته، ويسلط عليها الضوء أكثر من أي ركن روائي آخر، ويجعل من شخصيتي ألكسندر وصديقته البولندية (إيفونا) نموذجيْن بشريّين يعلقان بالذهن إلى أمدٍ بعيد، ومن الاحتفاء بالشخوص إلى الاحتفاء باللغة، وهي أداة التعبير الوحيدة التي تضع بين أيدينا عالمًا متكاملا بما في من أشخاص يلْغون ويتحدثون ويتحاورون، ولهذا كان الفصل الموسوم بعنوان " الإشارة والعبارة " فصلا ضروريًا جدًا كونه يلقي الضوء على سيميائيّات الخطاب الروائي.

يذكر ان الناقد خليل لا يعتمد في دراسته هذه على ما يقوله الخبراءُ، والمعلقون المهتمّون بالسرد، ولا على ما ذكره مؤرّخو الرواية، أو من كتبوا في نظريّة القصة، وإنما عماده التحليل الذاتي، الساعي لاستنباط النظري من الواقع التطبيقيّ، وليسَ العكْس

الصفحة 1 من 2